وذلك لأن وظائف وأصول استعمالات حروف المعاني المؤلفة من حرف عربي واحد، هي ألصق بخصائصه الفطرية (الهيجانية أو الإيمائية أو الإيحائية) ، فيسهل علينا الاهتداء إلى حقيقة معانيها وأصول استعمالاتها. ثم نتزود بما يتحصل لنا من حقائقها البسيطة فنتابع مهمتنا الشاقة في تقصي معاني حروف الجر من حرفين فأكثر التي جاءت في مراحل لغوية متطورة لاحقة على أيدي هزاج العرب وشعرائهم وفصحائهم.
ولكن قبل أن نتصدى لدراسة حروف الجر يستحسن بنا أن نعْرِف أولًا من (هم) أعضاء أسرتها- النحوية، كيما نعرف أصول وظائفها الفطرية التي اعتمدها العربي في جر مجروراتها.
الأسرة الأولى: المضاف إليه.
ليس ثمة ما هو أقرب حسبًا إلى هذه المجرورات من المضاف إليه.
أ- ... فكلاهما يُجر بالكسرة. والأصل في جر المضاف إليه يعود إلى أنه اسم تكملة لاسم آخر نكرة قبله يضم إليه ليفيده (التعريف) إذا كان هو معرفة، نحو: (( كتاب زيدٍ ) )، أو ليفيده (التخصيص) إذا كان هو نفسه نكرة، نحو: (( حفظت درس حسابٍ ) ). فكان من ذوق العربي ونهجه وفلسفته في تعامله مع حركات الشكل (الفتحة والضمة والكسرة) مخففات (الألف اللينة والواو والياء) ، أن يجرَّ المضاف إليه بالكسرة. وذلك ليتحمل وقع التكملة، أي وقع الإضافة إليه. و (زيدٍ) في المثال الأول هو الذي يتحمل وقع إسناد الكتاب إليه. وكذلك (حسابٍ) بالنسبة للدرس في المثال الثاني.
ب- ... كما أن الرابطة بين المجرور بحرف الجر وبين المضاف إليه تعود أصلًا إلى أن العلاقة بين المضاف والمضاف إليه تضبطها بصورة عامة رابطة ضمنية بأحد أحرف الجر الأربعة، هي: (( اللام-من-في-الكاف) ، كما في العبارات التالية:
كتاب التلميذ، أي (كتاب للتلميذ) خاتم ذهب- أي (خاتم من ذهب) -سهر الليل مضن، أي: (سهر في الليل مضن) . لؤلؤ الدمع، أي (دمع كاللؤلؤ) . كرام الناس، أي (كرام من الناس) .