وبذلك يكون العطف المتأتي من خصائص حرف (الميم) في الضم والجمع هو هنا فيما نرى، لحصر الحكم في نطاق (الإنذار) أو عدمه في المثال الأول (( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ) )، وفي نطاق وجود أحدهما أو عدم وجوده في المثال الثاني (( أزيد عندك أم عمرو ) ). لتأخذ الهمزة في (أم) وظيفتها الفطرية في الفصل.
الوجه الثاني- حرف إضراب:
وهنا تأخذ (الهمزة) في (أم) أبعادها في الفصل بين أحكام ما يأتي قبلها عما يأتي بعدها. وهي تقع في ثلاثة محال كما جاء في (المحيط) .
1-بعد الخبر المحض: نحو: (( جاء زيد(أم) جاء عمرو )). أي (بل) جاء عمرو. فالمجيء اقتصر هنا على ما بعدها (عمرو) .
2-بعد همزة لا يقصد بها التسوية والاستفهام الحقيقي، وإنما الاستفهام الإنكاري أو الإبطالي كما في قوله تعالى: (( ألهم أرجل يمشون بها،(أم) لهم أيد يبطشون بها )) (8) . فالهمزة هنا هي للإنكار بمنزلة النفي. أي ليست لهم أرجل يمشون بها (بل) لهم أيد يبطشون بها.
3-بعد الاستفهام، ولكن بغير (الهمزة) . كقوله تعالى: (( وهل يستوي الأعمى والبصير(أم) هل تستوي الظلمات والنور؟ )). أي (بل) هل تستوي الظلمات والنور؟. وقد سبق بيان معاني (بل) للإضراب، إذ أن الجواب الضمني هو: كلا.
و (أم) هذه التي بمعنى الإضراب تسمى (أم) المنقطعة. وذلك لأن ما بعدها منقطع عما قبلها غير معطوف عليه وذلك بفعل (الهمزة) من (أم) .
الوجه الثالث -أن تقع زائدة: كما في قوله تعالى: (( أفلا تبصرون؟(أم) أنا خير من هذا الذي (( 9 ) )فالتقدير: (( أفلا تبصرون؟، أنا خير من هذا
الذي ... )) . وكما في قول الشاعر ساعدة بن جويَّة:
(( يا ليتَ شِعْري ولا مَنْجي منَ الهرمِ ...(أم) هل العيشُ بعد الشيب من نَدمِ )).
وهكذا فإن (الهمزة) في (أم) ، تقوم بوظيفتها الفطرية في الفصل، سواء أَكانت عاطفة متصلة، أو غير عاطفة، للإنكار أو الإبطال أو الانقطاع. وبذلك تكون (أم) هي إحدى المستحاثات اللغوية الفطرية.