الصفحة 31 من 146

ولكن الجمع هنا فيما نرى غير حقيقي، فهو أقرب إلى (التخيير) . فالأمر يتوقف على تقوى نفسه أو فجورها. فإذا كانت (تقيَّةً) فلها تقاها. وإن كانت (فاجرةً) فعليها فجورها. ونفسه هي إمَّا تقية أو فاجرة. وهذا أقرب إلى (التخيير) منه إلى (الجمع) .

كما ضربوا لذلك قول النابغة.

قومٌ إذا سمعوا الصريخَ رأيتَهم ... ما بينَ مُلْجِمِ مُهْرهِ أو سافِعِ )) .

والجمع هنا مع (أو) غير مستوف شروطه. فالذي يُلجِم مهرَه لا يتسنى له سفعُه. أي، (( أن يقبض عليه ويجذبه بشدة ) ). فهو إما أن يلجمه، وإما أن يسفعه. وتأويل الجمع هنا ينصرف إلى أن القوم موزعون بين فئتين اثنتين: الفئة الأولى يقوم أفرادها بلجْم أمهارهم والفئة الثانية يقوم أفرادها بسفعها. بمعنى أن يقبض عليها ويجذبها بشدّة.

وبذلك يستحيل أن يقوم أي واحد من الفئتين بلجم مهره وسفعه في آن واحد. فكانت (أو) هنا أقرب إلى (التخيير) أيضًا.

وهكذا لم يثبت لدينا من معاني (أو) سوى اثنين: (( التخيير والإضراب ) )، بما يتوافق مع محصلة الخصائص الفطرية المتناقضة لحرفيها. فالهمزة تحجز الحكم مما قبلها، والواو تعطف الحكم على ما يليها.

وهذه القلة في معاني (أو) تعود إلى التناقض في خصائص حرفيها، فاقتصرت على الحالات القليلة التي صالحت بين هذه المعاني المتناقضة.

5-بلْ

أولًا-حول خصائص حرفيها ومعانيهما الفطرية:

1- (الباء) - من معانيها (الحفر والبقر) بما يتوافق مع صوتها الانفجاري الذي يشكل حاجزًا صوتيًا يضاهي (الهمزة) .

2- (اللام) - من معانيها (الإلصاق والالتصاق) مما يفيد الجمع والإلزام.

... ونظرًا للتناقض بين خصائص حرفيها ومعانيهما، فإن الجمع بها كحرف عطف لا يستوفي شروطه على مثال ما لحظناه في (أو) . فماذا إذن عن معانيهما واستعمالاتها.

ثانيًا- حول معانيها واستعمالاتها التراثية:

يقرر (ابن هشام) أنَّ لها استعمالين رئيسين اثنين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت