الصفحة 28 من 146

(( لقد كنتَ في غَفلةٍ من هذا فكشْفنا عنّكِ غِطاءَكَ ) ) (2) . ونرى أنَّ (الفاء) في المثالين السابقين تفيد التعقيب أيضًا. فالقضاء عليه وإن كان بسبب وكزه، إلا أنه جاء بالضرورة عقب الوكز. كما أن الكشف عن (غطاءك) جاء عقب وقوعه في الغفلة.

وهكذا فإن العطف بالفاء في الأمور الثلاثة كان نتيجة لخاصية الترتيب والتعقيب في معانيهما كما لحظنا ذلك في الأمثلة السابقة. فالأصل في معنى (الفاء) العاطفة هو الترتيب والتعقيب وليس- مجرد العطف. فالترتيب والتعقيب يتضمنان العطف بالضرورة. أما العطف كما سبق أن لحظنا في (الواو) العاطفة فهو لا يتضمن الترتيب والتعقيب.

وفي الحقيقة أن معاني الترتيب والتعقيب قد جاءت (الفاء) العاطفة من خصائصها الفطرية الإيمائية.

فالترتيب تقتضيه معاني (الفاء) في (الحفر والقطع والفصل) . فبين المعطوف عليه والمعطوف بالفاء حفرة صوتية صغيرة تحول دون تدافع المعطوفين بها. فيأتيان بترتيب زمني متقارب بما يتوافق مع قصر الزمن اللازم الذي يستغرقه النطق بصوتها قفزًا فوق الحُفرِ واحدًا بعد الآخر. وذلك على العكس من (ثم) العاطفة.

أما التعقيب فيتم بزمن متراخ بقدر الحاجة، وذلك بما يتوافق مع خاصية (التوسع والانفراج والتباعد) في طريقة التلفظ بالفاء.

وعلى الرغم من أن (الفاء) إذا كانت منفردة تتمتع بكامل حريتها، فقد اقتصرت معانيها في (مغني اللبيب) على بضعة عشر معنى فقط، أقل بكثير مما كان لـ (الواو) العاطفة.

وهذه القلة في معاني (الفاء) تعود إلى التزامها بخصائصها الإيمائية من (حفر وتوسع) فحدّ ذلك من استعمالاتها، على العكس من (الواو) . فتدافع النفس في صوت (الواو) يظل طليقًا لا يصدُّه أي حاجز في جهاز النطق. وسنلاحظ أسباب هذه الظاهرة من القلة أو الوفرة في معاني كثير من حروف المعاني.

3-ثُمّ

أولًا-حول خصائص حرفيها ومعانيهما الفطرية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت