(الفاء) الزراعية المنفردة تلي (الواو) الغابية في القدم والبساطة. ولكنها لم تستطع مجاراتها في تنوع الأقسام والمعاني والاستعمالات. فلماذا؟.
أولًا- حول خصائصها الصوتية ومعانيها الفطرية:
يبدأ تشكل صوتها بضرب الأسنان العليا على الشفة السفلى حبسًا للنفَس. وبانفراج الفكين يخرج صوتها واضحًا مشبعًا.
فكان من معاني هذا الحرف (الحفْر والقطْع والفصْل) . بما يضاهي. ضربَ الأسنان العليا على الشفة السفلى عند بداية تشكل صوتها. وقد كان لهذه المعاني (58) مصدرًا جذرًا تبدأ بالفاء مما عثرنا عليه في المعجم الوسيط، كما في (فأس-فلح-فصل-فطم ... ) .
كما كان من معانيها أيضًا: (التوسع والانفراج والتباعد) بما يضاهي حركة انفراج الفكين عن بعضهما بعض عند خروج صوتها. وكان لهذه المعاني أيضًا (58) مصدرًا جذرًا تبدأ بها كما في (فتح- فرج- فسح..) فما تأثير هذه الخصائص الإيمائية التمثيلية في معانيها التراثية بوصفها حرفًا عاطفًا؟.
ثانيًا- حول معانيها واستعمالاتها التراثية:
جاء في (مغني اللبيب) إن (الفاء) تردُ على ثلاثة أوجه: عاطفة، ورابطة للجواب، وزائدة مع الإشارة إلى أن وظيفتها في ربط الجواب مستمدة من خاصية العطف فيها.
ولما كان العطف هو موضوع بحثنا وأصل أوجهها، فإننا نكتفي بالحديث عنه وحده.
(الفاء) العاطفة: تفيد ثلاثة أمور:
1-الترتيب. كما في قولنا: (( جاء زيد، فعمرو، فبكر ... ) )بمعنى أنهم جاؤوا متتابعين بذات الترتيب المذكور.
2-التعقيب: هو في كل شيء بحسبه. فإذا قلنا: (( جاء زيد فعمرو ) )فذلك بزمن متقارب. أما إذا قلنا: (تزوج زيد فأنجب) ، فبزمن متراخ يستغرق مدة الحمل فحسب، وإذا قلنا (( دخلت دمشق فحلب ) )، وإذا لم أقِم في دمشق ولا بينهما، ولم يستغرق ذلك سوى الزمن المعتاد لقطع المسافة بينهما.
3-السببية: كما في قوله تعالى: (( فوكزهُ موسى، فقضى عليه ) ) (1) . وفي قوله أيضًا: