لعَّل أمير المؤمنين يسؤوُهُ ……تنادُمنا في الجوسق المتهدمِ
فلما سمعها عمر عزله.
الاستبطان العمري وتوزيع المسؤوليات:
وُهبَ عمر القدرة على معرفة الرجال وقراءة نفسياتهم،بما كان يسمى آنذاك بالاستبطان. وشيءٌ من الهارمون الاجتماعي والتجانس في الحركة والأداء يربط أهل الإدارة ببعضهم وبعمر، ولا ينفي ذلك أنّ رجلًا فيهم كان لا يرتاح للآخر، وأن بين هذا وذاك ما ينغّص تلك العلاقة، فإذا اختلف اثنان أو فريقان استحال الخلاف بحضور عمر إلى وفاق. وفي عمر روح جامعة وهبَهَا الله لناسٍ معدودين وإلآّ كيف اتفق رجاله مع بعضهم فتفرقوا في غيابه؟.
أمامي قائمة برجال الإدارة والقضاء وضع عمر كل واحدٍ منهم في موضعه الدقيق وصُولًا إلى تحقيق التجانس بمبدأ التوازن.
إن مبدأ التجانس بالتوازن مأخوذٌ به في عصرنا هذا، فالاتحاد لا يعني اتحادَ المتجانسين وفقَ أحادية الجنس والعُنصر والدين والمذهب والطبقة ومثل هذه الأحادية نادرة الوجود في معظم المجتمعات البشرية والطريق إلى تجانس المختلفين هو في تشكيل إداري متوازن بالقدر والألوان.
ولهذا اختار عمر عبد الله بن مسعود لقضاء الكوفة وبيت المال وعمار بن ياسر لصلاةِ الكوفة وسلمان بن ربيعة لقضاء البصرة وقيس بن أبي العاص القريشي لقضاء مصر ونافع الخزاعي لولاية مكة ويُعلى بن أمية لولاية صنعاء وسفيان بن عبد الله الثقفي لولاية الطائف وأبو موسى الأشعري اليمني لولاية البصرةِ وأبقى زيد بن ثابت قاضيًا على المدينة.
أمّا رؤساء أركان الجيوش وقادة الفيالق والألوية فهم طراز آخر لم يأخذ فيه بمبدأ التوازن ولما عُرفت قريش بقدرتها العسكرية الإدارية كان نصيبها كبيرًا وإن لم يكن غالبًا.
فكان من قادته خالد بن الوليد قبل عزله وعبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان والنعمان بن المُقرن والمثنى بن حارثة وشرحبيل بن حسنة. ولآن هؤلاء عسكريون أقحاح وهو يدرك أن علاقة العسكري بقوانين الفكر والفقه وعلوم التفسير والحديث هي في مرتبة أدنى مما اعتنى به فقهاءٌ ودعاةٌ دأب عمر على إرسالهم مع الجيوش فتشكلت ما يسمى الآن مؤسسة التوجيه المعنوي.