بين منثور العناوين وتشابك الأفكار، وانفلات السيطرة على حركة الوجدان وفي لحظة الانسجام مع جاذبية المعروض التاريخي في شخصية عمر وسياسته، تترابط برية النشوء ونشوء الدولة بنشوء الضمان القانوني للبشرية الإسلامية، محكومة بمصير إيديولوجي وروحي واحد، يتصل في نهايته العليا بالإرادة الإلهية وفي نهايته الأرضية بالذراع المحمدية، وتحت ظلالهما وبوحيٍّ منهما تفسح النشأة البرية لعمر أن يسوح بنفس تتطلع إلى حرية الخلق المطلق، وتشكل الدولة الجديدة منّظمًا قانونيًا لجموح البرية في نفسه، فيتحقق قدر من التوازن في شخصيته وسلوكه بين الحرية والقانون، وبالمجانسة بينهما يتحقق الاستجمام للمخلوق البشري في هدفه السامي. نظن أن هذا المزيج أنجز عصرًا عربيًا، هو زيت العصور الإسلامية.
وفي الطريق إلى هذه الكونية يتدفق ذهن عمر وتُعتصر أذهان الصحابة لانتاج علاقات نموذجية بين السلطة والناس، وقبل ذلك بين السلطة وذاتها.
وكان الإمام علي الشريك الأول، وليس المستشار الأول، في صياغة مشروع الدولة الناهضة وإدارتها، فيما منعت سياسة عمر، القائمة على التمثيل الموسّع للمجتمع الإسلامي الأول وتوزيع دقيق وذكي للمواقع الأساسية بما يشبه حكومات الوحدة الوطنية والجبهة الوطنية في أيامنا هذه، حصول توترات داخلية كالتي حصلت بعد رحيله المبكر، وقد ساعد على تجاوز ما لم يظهر من الإشكالات حق الاجتهاد في تدبير شؤون دولة ناشئة لم تقم على سابقة من النظم القديمة. وبانفتاح ثقافي على تجارب الشعوب، لم يجد رئيس الدولة الجديدة ما يمنعه من استعارة تجارب الأمم وتطويعها لصالح الإدارة الجديدة.
المكون البري
السماء فوقه ناعمة ممتدة إلى نهاية القدرة على النظر، والأرض تحته ناعمة منبسطة ممتدة إلى نهاية القدرة على البصر.
فإذا أخذته الرمال، وقد ضاعت الصوى شد حركة قدميه بمواقع النجوم، وأعاده السرى إلى ماء لبني عدي فيرتوي، ويرتوي القطيع الصغير الذي عهد الخطاب إلى صغيره رعيه ورعايته.
والأرض لا تستغني في مرابع الجزيرة عن السماء، وإلاّ ضاع القطيع، وانقطع السبيل ودخل الناس في التيه!.
أظنها ذاتها عناصر الجدلية في فكرة الوجود الإلهي عند العرب، الذي يهدي التائهين بضوء النجوم قبل أن يغمرهم نور الله.