قَالَ البزار: (( هَذَا الحَدِيْث لا نعلمه يروى عن النَّبيّ -، إلا من هَذَا الوجه بهذا الإسناد، وإنما أسنده معاذ بن هشام، عن أبيه، وَقَدْ رَواهُ غَيْر معاذ بن هشام، عن قتادة، عن أبي حرب، عن أبيه، عن عَلِيّ، موقوفًا ) ) [1] .
أقول: إطلاق البزار في حكمه عَلَى تفرد معاذ بن هشام بالرفع غَيْر صَحِيْح إِذْ إن معاذًا قَدْ توبع عَلَى ذَلِكَ تابعه عَبْد الصمد بن عَبْد الوارث [2] عِنْدَ أحمد [3] ،
والدارقطني [4] ، لذا فإن قَوْل الدَّارَقُطْنِيّ كَانَ أدق حِيْنَ قَالَ: (( يرويه قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، رفعه هشام بن أبي عَبْد الله من رِوَايَة ابنه معاذ وعبدالصمد بن عَبْد الوارث، عن هشام، ووقفه غيرهما عن هشام ) ) [5] .
والرواية الموقوفة: رواها يَحْيَى بن سعيد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن عَلِيّ، فذكره موقوفًا [6] .
فالرواية الموقوفة إسنادها صَحِيْح عَلَى أن الحَدِيْث مرفوعٌ صححه جهابذة المُحَدِّثِيْنَ: البُخَارِيّ والدارقطني - كَمَا سبق - وابن خزيمة [7] ، وابن حبان [8] ، والحاكم [9] - وَلَمْ ?£يتعقبه الذهبي -، ونقل صاحب عون المعبود عن المنذري [10] قَالَ: ... (( قَالَ البُخَارِيّ: سعيد بن أبي عروبة لا يرفعه وهشام يرفعه، وَهُوَ حافظ ) ) [11] .
أقول: هكذا صَحّح الأئمة رفع هَذَا الحَدِيْث، مَعَ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ موقوفًا أيضًا؛ وهذا يدل عَلَى أن الحَدِيْث إذا صَحَّ رفعه، ووقفه، فإن الحكم عندهم للرفع، وَلاَ تضر الرِّوَايَة الموقوفة إلا إذا قامت قرائن تدل عَلَى أن الرفع خطأ.
أثر هَذَا الحَدِيْث في اختلاف الفُقَهَاء (كيفية التطهر من بول الأطفال)
وما دمت قَدْ فصلت القَوْل في حَدِيث عَلِيّ - رضي الله عنه - مرفوعًا وموقوفًا فسأذكر اختلاف الفُقَهَاء في كيفية التطهر من بول الأطفال [12] .
وقبل أن أذكر آراء الفُقَهَاء، أذكر جملة من الأحاديث المتعلقة بالمسألة لأحيل عَلَيْهَا عِنْدَ الإشارة إلى الأدلة طلبًا للاختصار.
فأقول:
(1) البحر الزخار 2/ 295.
(2) هو أبو سهل التميمي العنبري عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد، توفي سنة (207 ه -) .
الطبقات الكبرى 7/ 300، وسير أعلام النبلاء 9/ 516، وشذرات الذهب 2/ 17.
(3) المُسْنَد 1/ 76.
(4) السُّنَن 1/ 129؟
(5) علل الدَّارَقُطْنِيّ 4/ 184 - 185 س (495) .
تنبيه: مَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ من أن غَيْر معاذ وعبد الصمد روياه عن هشام موقوفًا فإني لَمْ أجد هَذَا في شيء من كتب الحَدِيْث، ولعله وهمٌ من الدَّارَقُطْنِيّ يفسر ذَلِكَ قوله في السُّنَن 1/ 129 لما ساق رِوَايَة معاذ: (( تابعه عَبْد الصمد، عن هشام، ووقفه ابن أبي عروبة، عن قتادة ) ). فلو كَانَتْ ثمة مخالفة قريبة لما ذهب إلى رِوَايَة ابن أبي عروبة، والله أعلم.
(6) وهذه الرِّوَايَة الموقوفة أخرجها عَبْد الرزاق (1488) ، وابن أبي شَيْبَة (1292) ، وأبو دَاوُد
(377) ، والبيهقي 2/ 415.
(7) صَحِيْح ابن خزيمة (284) ، عَلَى أَنَّهُ لَمْ يحكم عَلَيْهِ بلفظه، إلا انا قلنا ذَلِكَ عَنْهُ لالتزامه الصحة في كتابه قَالَ العماد بن كَثِيْر في اختصار علوم الحَدِيْث: 27، وطبعة العاصمة 1/ 109: (( وكتب أخر التزم أصحابها صحتها كابن خزيمة، وابن حبان ) ). وَقَالَ الحافظ ابن حجر في نكته عَلَى كِتَاب ابن =
=الصَّلاح 1/ 291: (( حكم الأحاديث الَّتِي في كِتَاب ابن خزيمة وابن حبان صلاحية الاحتجاج بِهَا ) ). عَلَى أن الكِتَاب فِيهِ بَعْض مَا انتقد عَلَيْهِ.
(8) صحيحه (1372) ، وطبعة الرسالة (1375) ، وانظر الهامش السابق.
(9) المستدرك 1/ 165 - 166.
(10) هو أبو مُحَمَّد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري الشامي الأصل، ولد سنة (581 ه -) ، من مصنفاته"المعجم"، واختصر"صحيح مسلم"و"سنن أبي داود"، توفي سنة (656ه -) .
سير أعلام النبلاء 23/ 319 و 320، والعبر 5/ 232، وتذكرة الحفاظ 4/ 1436.
(11) عون المعبود 1/ 145.
(12) عَلَى أني قَدْ ذكرت هذِهِ المسألة في:"أثر علل الحَدِيْث في اختلاف الفُقَهَاء": 216 - 222 بتفصيل أخصر من هَذَا.