الصفحة 65 من 171

فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - لما جاء به من الكتاب والحكمة مثلًا بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال الناس قبل مبعثه - صلى الله عليه وسلم - ، فكما أن الغيث يحيي البلد الميت فكذا علوم الدين تحيي القلب الميت، ثم شبه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، فمنهم العالم العامل المعلم، فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها، وأنبتت فنفعت غيرها، ومنهم الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه غير أنه لم يعمل بنوافله أو لم يتفقه فيما جمع، لكنه أدَّاه لغيره، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس بذلك الماء، وهذا المشار إليه بقوله:"نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتي فأَدَّاهَا كَما سَمِعَهَا" [1] ، ومنهم من يسمع العلم فلا يحفظه ولا يعمل به ولا ينقله لغيره فهو بمنزلة الأرض السبخة أو الملساء التي لا تقبل الماء أو تفسده على غيرها، وإنما جمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين لاشتراكهما في الانتفاع بهما، وأفرد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النفع بها والله أعلم . [2]

(1) أخرجه أحمد ح ( 16800 ) ، والترمذي ح ( 2580 ) ، وابن ماجه ( 1/84)

(2) ينظر: المفهم ( 6/83) ، فتح الباري ( 1/177) ، وقال الحافظ ابن رجب في شرحه للحديث:"والذي ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي موسى تقسيم لها- أي القلوب - بحسب ما يرد عليها من العلم والإيمان إلى قابل لإنبات الكلأ والعشب، وغير قابل لذلك ، وجعلها ثلاثة أقسام: قسم قَبِل الماء، فأنبت الكلأ والعشب الكثير ، وهؤلاء هم الذين لهم قوة الحفظ والفهم والفقه في الدين، والبصر بالتأويل، واستنباط أنواع المعارف والعلوم من النصوص ، وهؤلاء مثل: الخلفاء الأربعة، وأُبيِّ بن كعب ، وأبي الدرداء ، وابن مسعود وابن عباس ..ثم كالحسن وسعيد بن المسيب وعطاء ومجاهد ثم كمالك والليث والثوري والأوزاعي وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور ومحمد بن نصر المروزي وأمثالهم من أهل العلم بالله وأحكامه وأوامره ونواهيه ، كذلك مثل أويس ومالك بن دينار وإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض وأبي سليمان وأمثالهم من أهل العلم بالله وأسمائه وصفاته وأيامه وأفعاله، وقسم حفظ الماء، وأمسكه حتى ورد الناس فأخذوه فانتفعوا به، وهؤلاء هم الذين لهم قوة الحفظ والضبط والإتقان دون الاستناط والاستخراج، وهؤلاء كسعيد بن أبي عروبة والأعمش، ومحمد بن جعفر غندر وعبد الرزاق وعمر الناقد ومحمد بن بشار بندار، = = ونحوهم وقسم ثالث: وهم شر الخلق ، ليس لهم قوة الحفظ، ولا قوة الفهم، لا دراية ولا رواية وهؤلاء الذين لم يقبلوا هدى الله ولم يرفعوا به رأسًا ...."ينظر: مجموع رسائل الحافظ بن رجب ( 2 / 559 - 560 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت