فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 45

وفي كل يوم منذ أكثر من عام ودون انقطاع كانت تزور ذلك الرجل زوجته ومعها صبي لهما في الرابعة عشر من عمره ، ينظران إليه في حنان وشفقة ويغيران ملابسه ويتفقدان أحواله ويسألان الأطباء عنه ، ولا جديد في الأمر ، الحالة كما هي ، لا تقدم ولا تأخر في صحته ، غيبوبة تامة ، وأمل مفقود من شفائه إلا من الله تعالى ، غير أن هذه المرأة الصبور والصبي اليافع كانا لا يتركانه حتى يرفعا أكف الضراعة إلى الله سبحانه ، فيدعوا له بالشفاء والعافية ، ولسان حالهما يقول:

أنت المنادَى به في كل حادثة ... وأنت ملجأ من ضاقت به الحيلُ

أنت الغياثُ لمن سُدّت مذاهبُه ... أنت الدليل لمن ضلّت به السبلُ

ويغادران المستشفى ليعودا مرة أخرى للزيارة في نفس اليوم ، وهكذا كل يوم بلا انقطاع أو سآمة أو ملل ، قلوب اجتمعت على الحب ، وتآلفت على الصدق ، وأزهرت في الشدائد أجمل ورود الصبر والحنان والرأفة .

ويظل المرضى وهيئة التمريض والأطباء في استغراب تام من زيارة المرأة والصبي لهذا الرجل شبه الميّت ، مع أنه لا جديد في حياة المريض ، فيا لله العجب: ما هذا الإصرار العجيب على تكرار الزيارة مرتين في اليوم ، مع أن المريض المسجى لا يعي أي شيء حوله ، صارحها الأطباء وأعوانهم بعدم جدوى زيارتها له ، وشفقًا عليها وعلى ابنها دعوها للزيارة مرة في الأسبوع ، وكانت المرأة الشفوق لا ترد إلا بكلمة: الله المستعان .. الله المستعان .. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت