الصفحة 12 من 17

1 ـ إنّ الاستحسان جائز الحجية عقلًا، ونحن نسلم للشرع حتّى لو عبدنا بأوهام العوام، ولكن ما الدليل عليه؟ أهو ضرورة العقل وهو خلاف الحقيقة؟

فيجب إذا أن يكون هناك سمع قطعي؛ لأن ما بالغير يجب أن ينتهي إلى ما بالذات، و إلاّ تسلسل الأمر، بل لم تنقل الحجية له حتّى أخبار الآحاد، ولو نقلت فإن الأصل لا يثبت عنده بخبر الواحد بحجة إنّ جعل الاستحسان مدركًا من مدارك أحكام الله تعالى

بمنزلة الكتاب والسنة والإجماع، وأصلًا من الأصول، فلا يثبت بخبر الواحد، ومهما انتفى الدليل أوجب النفي. وكان الغزالي يريد بهذا ما شاع لدى الأصوليين من أن الشك في الحجية كاف للقطع بعدمها.

وهذا الدليل تام في نفسه، إلاّ أن ادعاء عدم كفاية خبر الواحد لإثبات حجية الأصل مما لا وجه له بعد القبول بقيام الدليل القطعي على حجية خبر الواحد، ذلك أنّه يقطه التسلسل المشار إليه.

2 ـ إنا نعلم بأن الأمة أجمعت على أن العالم ليس له أن يحكم بهواه، وذلك قبل أن ياتوهم بهذا الأصل، والاستحسان مصداق للهوى والشهوة.

لكن هذا الدليل ـ أيضًا ـ تكرار للمدعى، وبعد هذا وذاك من عبارات الشافعي في الاستحسان وذمه له وكذلك قول الروياني: بأنّه شرع غير الشرع ـ وبطلانه ـ يتبين لنا فيما يلي (84) .

أ ـ لا يجوز الحكم إلاّ بالنص أو بما يقاس على النص؛ لأن في غير ذلك شرعًا بالهوى وقد قال سبحانه وتعالى: ?وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم? (85) .

ب ـ إنّ الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ما كان يفتي بالاستحسان، وإنّما كان ينتظر الوحي، ولو استحسن لما كان مخطئًا؛ لأنه لا ينطق عن الهوى.

ج ـ الاستحسان أساسه العقل، فيه يستوي العالم والجاهل، فلو جاز لأحد الاستحسان لجاز لكل إنسان أن يشرع لنفسه شرعًا جديدًا.

د ـ إنّ الاستحسان ليس بحجة مستقلة خارجة عن الأدلة الأربعة المتفق عليها.

بل يرجع إلى تقديم قياس على قياس، أو استثناء مسألة جزئية من القواعد الكلية (86) .

هـ إنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ما كان يفتي باستحسانه، وهو الذي كان ما ينطق عن الهوى، فقد سئل ـ صلى الله عليه وآله ـ عن الرجل يقول لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فلم يفت ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ باستحسانه، بل انتظر حتّى نزل الوحي عليه بآية التطهير وكفارته.

وـ إن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ استنكر على الصحابة الّذين غابوا عنه، وأفتوا باستحسانهم كما في قصة أسامة وقتله للرجل الذي قال:"لا إله إلاّ الله"تحت حر السيف وكذلك الصحابة الّذين أحرقوا مشركًا لاذ بشجرة.

زـ إنّ الاستحسان لا ضابط له، ولا مقاييس له يقاس بها الحق من الباطل كالقياس. لو جاز ذلك لكان فرطًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت