الصفحة 11 من 17

إنّ من أبرز نفاة الاستحسان هو: الشافعي كما اشتهر في بطون الكتب، ولكن صاحب كتاب"الرأي في الفقه الإسلامي"يقول: (إنّ الذي ينفي الاستحسان بكل أنواعه هو: ابن حزم الظاهري، لا الشافعي، باعتبار أنّه يرد في كلام الشافعي أحيانًا: إني أستحسن) (77) وإنّما الشافعي نفى القسم الأخير ـ وهو ماينقدح في النفس ـ من معاني الاستحسان، إلاّ أن الظاهر من كلامه: أنّه ينفي الاستحسان العقلي أيضًا. قد صور اعتراض الشافعي على الاستحسان باشكالات وهي:

1 ـ ثبت أن المشرع حكيم، ولم يترك أمرًا من الأمور الدنيوية سدى من غير بيان، قال تعالى: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى (( 78) فقد بين الأحكام في القرآن أو السنة، وما لم يبينه فيهما تركه للأدلة الأخرى، وأوجب على المسلم اتباع حكمه سبحانه وتعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول (( 79) . والحكم الاستحساني ليس داخلًا في القسمين، وإنّما هو تصرف حسب الهوى والميل، ويناقض تلك الآية الكريمة.

والآية الثانية:"فإن تنازعتم .."تأمر بالطاعة لله وللرسول وتنهى عن اتباع الهوى والاستحسان ليس كتابًا ولا سنة ولا ردًا للكتاب والسنة، وإنّما هو أمر غير ذلك، وهو تزيد عليهما، فلا يقبل إلاّ بدليل منهما على قبوله، ولا دليل عليه.

وقوله ـ صلى الله عليه وآله ـ:"ما من واقعة إلاّ ولله فيها حكم" (80) والطريق إلى الحكم: إما أن يكون النص أو القياس ـ عند من يأخذ به ـ ولا طريق غيرهما، وهو تعبير آخر عن الرد

السابق الذكر.

2 ـ لو كان الاستحسان جائزًا من المجتهد ـ وهو لا يعتمد على نص ولا حمل على النص، بل يعتمد على الفعل وحده ـ جاز لغيره أن يستحسن، ويقال في الواقعة الواحدة ضروب من الفتيا؛ لأن العقل متواجد عند غير العلماء بالكتاب والسنة، بل ربما كان منهم من يفوق عقول هؤلاء، فإن كان جائزًا عندهم فقد أهملوا أنفسهم، وحكموا حيث شاؤوا (81) .

وهذه الاشكالات قابلة للمناقشة، فهي في الواقع ترديد للمدعى، إذ التركيز في الخلاف يدور حول وجود طريق آخر غير النص ـ الكتاب والسنة ـ والقياس، ولا مانع أن يكون الاستحسان سبيلًا آخر، ومن هنا يقول الغزالي: (لا شك أنّا نجوز ورود التعبد باتباعه عقلًا، بل لو ورد، في الشرع: بأن ما سبق إلى أوهامكم أو استحسنتموه بعقولكم أو سبق أوهام العوام ـ مثلًا ـ فهو حكم الله عليكم لجوزناه"(82) ."

أما الوجه الثاني: فلو تم لأغلق باب الاجتهاد، فليس الاختلاف في الفتيا يصلح دليلًا للرد على الاستحسان، ولكن الظاهر ـ كما نبه إليه العلامة السيد الحكيم ـ (83) أنّه يسير إلى القسم الأخير، وهو ما ينقدح في النفس، ولا ريب في أن هذا القسم يؤدي إلى الفوضى كما تنبه له الشافعي، وهو بهذا مرفوض إسلاميًا، بل يؤدي إلى التلاعب بمقدسات الإسلام.

أما الغزالي: فإنه يرد الاستحسان بمسلكين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت