الصفحة 1 من 17

حجية الاستحسان عند المذاهب الإسلاميّة

الشيخ سامي الغريري

المقدمة

يكاد يقطع الإنسان المسلم بأن المسلمين اليوم بأمس الحاجة إلى رص الصفوف، ولا يتم ذلك إلاّ من خلال تلاقح الأفكار، والتقاء العقول النيرة التي تزيل ظلام التخلف الفكري أمام معطيات الحياة الفكرية، من خلال بحوث مقارنة في علم الأصول والفقه على غرار ما فعله العلامة المحقق السيد محمّد تقي الحكيم في كتابه: الأصول العامة للفقه المقارن؛ لأن الأدلة التي تستنبط منها الأحكام الشرعية لأفعال المكلفين نوعان: نوع اتفق جمهور المسلمين على أنّه مصدر من مصادر التشريع الإسلامي، ونوع اختلف العلماء في اعتباره مصدرًا تشريعيًا.

فنحن بحاجة ماسة لأن يفهم كلّ منا الآخر، ويتم ذلك التفاهم بطرح شتى البحوث في الفقه والأصول كي يزال الجمود الذي خيم على عقول البعض لفترات زمنية، ومن ثم يحصل التفاعل المطلوب، وتلتقي الأفكار الناضجة.

وبحث الاستحسان هذا قد اشتهر عند الأحناف الأخذ به، حتّى أن المتفحص في

كتبهم كثيرًا ما يجد هذه العبارة: (الحكم في هذه المسألة قياسًا كذا، واستحسانًا كذا) وقد اعتبروه دليلًا خامسًا في الشرع يترك به مقتضى القياس؛ لأنه أحد نوعي القياس، فهو قياس خفي في مقابل القياس الجلي، ويسمى كذلك إشارة إلى أنّه أولى بالعمل به كما قال البزدوي.

لقد كان الأخذ بالاستحسان مثار بحث العلماء، فبعد ما أقره المالكية والحنابلة واشتهر به الحنفية عدة الشافعية والظاهرية بدعة وتشريعًا في الدين، ولذا قال الشافعي عبارته المشهورة ـ فيما تنقل في كتب الأصول وإن لم تكن في كتابه"الرسالة"ـ: (من استحسن فقد شرع(1) أي: وضع شرعًا جديدًا.

إنّ هذا البحث يعرض لهذه المسألة، ويناقش الآراء فيها، ويحاول الوصول إلى رأي ناضج وسنوزع البحث على المطالب التالية:

المطلب الأول

حقيقة الاستحسان

الاستحسان في اللغة:

الاستحسان مأخوذ من الحسن (2) ، ومصدره: استحسن، أي: الشيء عده حسنًا (3) ، سواء كان الشيء من الأمور الحسية أو المعنوية (4) . يقال: استحسن الطعام، ويقال: هذا ما استحسنه المسلمون، أي: رأوه حسنًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت