ولذلك كان أسلم المجتمعات وأحسنها وأنقاها هو مجتمع الصحابة رضي الله عنهم، إذ كانوا يعرفون المعروف وينكرون المنكر، ولهذا قال عبدالله بن مسعود في الأثر الصحيح الذي رواه الحاكم وغيره: (( مارآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، ومارآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح ) ).
ثم ضرب لذلك مثلًا؛ وهو أن الصحابة اتفقوا على اختيار أبي بكر - رضي الله عنه - للخلافة , فهذا الاتفاق على ذلك الاختيار يدل على أنه أمر يحبه الله ويرضاه، ولذلك أصبح من جملة عقائد أهل السنة والجماعة تفضيل أبي بكر على من عداه من الصحابة، والإقرار بأنه أول الخلفاء الراشدين، ومن بعده عمر، ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم أجمعين.
ولهذا أجمع المسلمون على قبول إجماع الصحابة، وعلى أنه حجة فإذا اتفق الصحابة - رضي الله عنهم - على أمرٍ؛ أصبح المسلمون من بعدهم متعبدين بذلك الأمر.
وإجماع الصحابة - متى ثبت وصح وتحقق - من الأدلة الشرعية، لم يخالف في ذلك أحد من المسلمين، ولذلك كان الإمام مالك - رحمه الله - يأخذ بعمل أهل المدينة فما وجد عليه عملهم في القرن الأول عده من ضمن الأدلة الشرعية، وهذا أصل خاص بالإمام مالك وكان رحمه الله يفسر ذلك بأن عمل أهل المدينة إنما هو على النبوة أما عمل الأمصار الأخرى فإنه على أوامر الملوك، كما ذكر ابن عبد البر وغيره.
وإذا أردت أن تطبق القاعدة المذكورة آنفًا على المجتمعات الإسلامية اليوم؛ وجدتها بلا شك تتفاوت تفاوتًا كبيرًا ولكن يغلب على هذه المجتمعات هنا في الجملة أنها تتقبل المنكرات وتألفها وتنتشر بينها بسرعة.
فما أسرع ما تنتشر الأزياء الأجنبية في أوساط نساء المسلمين، إذ بمجرد ما تظهر مغنية أو ممثلة أو عارضة أزيا بزي من الأزياء فسرعان ما تجدهن يتبارين ويتنافسن على تقليده.
وماأسرع ما تفشو تسريحه معينة للشعر بين المسلمات بمجرد ما يرين مغنية أوممثلة أو فاجرة تتزين بها.
وماأسرع ما يشيع بين شباب المسلمين كثير من الظواهر المنحرفة؛ تقليدًا لشباب الغرب سواء في الملبس أو في الشعر أو في مظهر السيارة أوفي غير ذلك.
إن تلك الظواهر الغربية التي تشيع بين شباب المسلمين إنما رأوها عند غير المسلمين، فأخذوها عنهم، سواء حين يسافرون إلى تلك المجتمعات، ويشاهدون تلك الظواهر عيانًا أوحين يشاهدون الأفلام والمسلسلات التي تعرض الأوبئة الموجودة في بلاد غير المسلمين.
وإن في تلك القابلية والطواعية لتقليد الكافرين في منكراتهم لدليلًا واقعيًا واضحًا على الفراغ الكبير في عقول وأرواح كثير من المسلمين.