فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 55

ومما يتعلق بالمصلحة والمفسدة مسألة الإسرار والإعلان بالإنكار، فإن سلوك أحد السبيلين مرتبط بقضية المصلحة والمفسدة فقد تكون المصلحة في إعلان الإنكار، وقد تكون في الإسرار به، فإذا كان صاحب المنكَر معلنًا مجاهرًا فالمصلحة في الجهر بالإنكار عليه، وإذا كان المنكَر شخصيًا أو خشي أن تأخذ صاحب المنكر العزة بالإثم، أو خيف أن يترتب على الإعلان بالإنكار منكر أشد فالمصلحة في الإسرار بالإنكار.

وقد ورد عن السلف - رضوان الله عنهم - قصص عديدة أنكروا فيها علانية؛ لأنهم رأوا المصلحة في الإعلان:

فمن ذلك ما جاء في الصحيحين من أن أبا سعيد الخدري خرج مع مروان بن الحكم إلى المصلى في يوم العيد، قال أبو سعيد: فلما أتينا المصلى، إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، فجبذت بثوبه، فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له غيرتم والله. فقال أبا سعيدٍ، قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم (1) .

ومرةً أخرى خرج مروان إلى المصلى، وقام ليخطب قبل الصلاة فقام إليه رجل وقال: الصلاة قبل الخطبة. فقال: ترك ما هنالك (2) . وهكذا أنكر عليه علانيةً؛ لأنه معلن بالمنكر، ولأن الرجل كما ذكر النووي (3) كان معتزا بظهر قبيلته، ولأن مروان سبق أن أنكر عليه أبو سعيد قبل ذلك - والله أعلم - فأصر.

وكم أنكر على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ولعل من أصح القصص في ذلك ما رواه الشيخان أنه لما حدثت خصومة بين عمر بن الخطاب وأحد الصحابة مرةً من المرات؛ قال أبي بن كعب لعمر: يابن الخطاب، لا تكونن عذابًا على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

(1) رواه البخاري (913) ومسلم (889)

(2) رواه البخاري (913) ومسلم (889) ... (3) رواه مسلم (49)

ولما نهى عثمان بن عفان رضي الله عنه عن المتعة في الحج (أي جمع العمرة والحج) قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لبيك اللهم لبيك عمرةً متمتعًا بها إلى الحج, فلما قيل له في ذلك؛ قال أردت أن أبين للناس أن ما يأمرنا به عثمان مخالف لسنة النبي صلىلله عليه وسلم (1)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت