الصفحة 41 من 543

وقد ساعد الأوروبيين في مهتمهم هذه، الاسطرلاب، والبوصلة، والخرائط البحرية، ومعرفة كروية الأرض [1] ، فقد سعى البرتغاليون للحصول على علوم المسلمين الملاحية، واستعانوا بالتجار اليهود، في الأندلس، الذين قاموا بدور الجواسيس، في الحصول على معلومات المسلمين، وتقديمها إلى أسيادهم البرتغاليين. وساعد اليهود على نجاحهم في عمليات التجسس، معرفتهم باللغة العربية، وقاموا برحلات بين المشرق والمغرب، برا، وبحرا، لهذا الغرض، وتظاهر بعضهم بالإسلام، فتتابع وصول الجواسيس إلى مصر، وسائر بلاد الإسلام، ففي عام 894 هـ / 1488 م قام جماعة من الجواسيس اليهود متخفين في زي تجار برتغاليين، بالسفر إلى مصر سرا، وكان على رأسهم (الفونسودي بايفا) [2] ، ووقف الجواسيس على معلومات هامة، عن كل ما يتصل بتجارة التوابل، وغيرها، من البضائع الشرقية، ثم أقلعوا على سفينة عربية، من السويس إلى عدن، ثم استقلوا سفينة أخرى متظاهرين بالإسلام، وسافروا إلى الهند، قبل وصول (فاسكودي غاما) إليها بنحو عشر سنوات، وجمعوا ما راق لهم من معلومات، ثم شدوا رحالهم إلى البرتغال، عن طريق مصر، وفي أثناء مرورهم بالقاهرة، التقى هؤلاء ببعثة تجسس أخرى، كانت تضم (أبراهام دي بيا) (ويوسف لاميجو) [3] ، وهي على شاكلة البعثة الأولى، تستهدف جمع المعلومات، وانضمت البعثتان في بعثة واحدة سافرت إلى هرمز، ثم زيلع، ومنها إلى الحبشة، ثم عادت إلى مصر، وواصلت سفرها في رحلة العودة إلى البرتغال، واستطاعت هذه البعثة الحصول على خرائط عربية، عن المحيط الهندي، ومعلومات تفصيلية، عن التيارات البحرية، والرياح الموسمية، في هذا المحيط، فضلا عن البيانات الخاصة بالتجارة الشرقية، من حيث حجمها، وفئاتها، وما إلى ذلك. وقدمت البعثة كل ذلك إلى السلطات الحاكمة في لشبونة، فكانت لهم نعم المعين، في تقدير الموقف، والمضي قدما في إيفاد البعوث الكشفية الجغرافية، ابتغاء الوصول إلى الهند بحرا فتمكن (بارثلميودياز) من الوصول إلى رأس الرجاء الصالح (جنوب افريقيا) ، وأتم (فاسكودي غاما) ، بمساعدة العالم المسلم (أحمد ابن ماجد) الرحلة، فوصل البرتغاليون إلى كاليكوت (فاليقوط) في الهند، وأخذوا يقيمون المراكز، والحصون، والقلاع، على السواحل الافريقية والآسيوية، لبسط سيطرتهم العسكرية والتجارية، على هذه المنطقة، وهزموا أسطولا إسلاميا، ضم سفنا من المسلمين في الهند، ومن دولة المماليك في مصر والشام، ومن الدولة العثمانية في آسيا الصغرى والبلقان 915 هـ / 1509 م، في معركة (ديو) شمالي بومبي بالهند [4] : فتأكدت سيادة الصليبيين على البحار وانحسرت قوى المسلمين في المحيط الهندي. وكانت رحلة فاسكودي جاما صليبية واضحة، تتخفى وراء العلم والاستكشاف.

(1) اهتم المسلمون بالجغرافيا وعلوم الملاحة لحاجتهم إليها لدينهم. فتحديد القبلة للصلاة، وبيت الله الحرام للحج، ومعرفة الأقاليم لتبليغ الدعوة ونشرها. وقد حث القرآن الكريم على طلب العلم، والارتحال في سبيله، والتبصر في آيات الله في الآفاق. فظهرت مؤلفات جغرافية تناولت: الجغرافية الكونية، والطبيعية، والبشرية، والسكانية، والبحار والمحيطات، والمواصلات، والجغرافيا العامة، والرحلات، والمدن، والأمصار، والجغرافيا الفلكية. . وظهر علماء في الجغرافيا كالبلخي، والبكري، والهمذاني، واليعقوبي، والمسعودي، والقزويني، وابن حوقل، والادريسي، والمقدسي، والبيروني، وابن جبير، وابن بطوطة وغيرهم.

(2) د. عبد العزيز الشناوي / أوربا في مطلع العصر الحديث ص 97.

(3) د. عبد العزيز الشناوي / أوربا في مطلع العصر الحديث ص 98.

(4) فتحي غيث ص 144.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت