هذا زمان المصالحة، وأوان التجارة الرابحة؛ فبادروا في هذا الشهر من الخير كل ممكن، فمَن لم يربح في هذا الشهر ففي أي وقت يربح؟!
أريدوا الله بعملكم
عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إنما الأعمالُ بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نَوَى. فمَن كانتْ هجرتُهُ إلى اللهِ ورسولِه؛ ِ فهجرتُهُ إلى اللهِ ورسولِهِ. ومَن كانتْ هجرتُهُ إلى دنيا يُصيبُها، أو امرأةٍ يَنكحُها؛ فهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليهِ". [رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي]
[قال الإمام أحمد: أحب لكل عمل مِن صلاة، أو صيام، أو صدقة، أو نوع من أنواع البر .. أن تكون النية متقدمة في ذلك قبل الفعل. قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"الأعمالُ بالنياتِ .."؛ فهذا يأتي على كل أمر من الأمور.
وقال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله (يعني أحمد بن حنبل) عن النية في العمل، قلتُ: كيف النية؟ قال: يعالج نفسه إذا أراد عملًا؛ لا يريد به الناس.
وقيل: تقدير الكلام: الأعمال واقعة أو حاصلة بالنيات؛ فيكون إخبارًا عن الأعمال الاختيارية أنها لاتقع إلا عن قصد من العامل؛ هو سبب عملها ووجودها. ويكون قوله بعد ذلك:"وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى .."إخبارًا عن حكم الشرع؛ وهو أنَّ حظ العامل مِن عمله نيته. فإنْ كانت صالحة؛ فعمله صالح؛ فله أجره. وإنْ كانت فاسدة؛ فعمله فاسد؛ فعليه وِزره.
ويحتمل أن يكون التقدير في قوله:"الأعمال بالنيات .."صالحة، أو فاسدة، أو مقبولة، أو مردودة، أو مثاب عليها، أو غير مثاب عليها؛ بالنيات. فيكون خبرًا عن الحكم الشرعي؛ وهو أنّ صلاحها وفسادها بحسب صلاح النية وفسادها، كقوله - صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمالُ بالخواتيمِ"أي: إنّ صلاحها وفسادها وقبولها وعدمها بحسب الخاتمة.
وقوله بعد ذلك:"وإنما لكلِّ امرئٍ مانوى .."إخبار أنه لا يحصل له مِن عمله إلا ما نواه به. فإن نوى خيرًا حصل له خير. وإن نوى به شرًّا حصل له شر. وليس هذا تكريرًا محضًا للجملة الأولي؛ فإن الجملة الأولى دلت على أنَّ صلاح العمل وفساده بحسب النية المقتضية لإيجاده. والجملة الثانية دلت على أنَّ ثواب العامل على عمله بحسب نيته الصالحة، وأنَّ عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة. وقد تكون نيته مباحة فيكون العمل مباحًا؛ فلا يحصل له ثواب ولا عقاب.
فالعمل في نفسه؛ صلاحه، وفساده، وإباحته بحسب النية الحاملة عليه، المقتضية لوجوده. وثواب العامل وعقابه وسلامته بحسب النية التي صار بها العمل صالحًا أو فاسدًا أو مباحًا.
وفي صحيح مسلم عن أم سلمة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"يعوذُ عائذٌ بالبيتِ، فيُبعَثُ إليهِ بعثٌ، فإذا كانوا ببيداءَ مِنَ الأرضِ خُسِفَ بِهِم". فقلتُ: يارسول الله .. فكيف بمن كان كارهًا؟ قال:"يُخسَفُ بهِ معهم، ولكنه يُبعَثُ يومَ القيامةِ على نيتِهِ". وفي مسلم أيضًا عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - معنى هذا الحديث، وقال فيه:"يَهلِكونَ مَهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادرَ شتى، ويَبعثُهم اللهُ على نياتِهِم".] [جامع العلوم والحكم (ملخصًا) ]
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:"إنَّ أقوامًا خلفَنا بالمدينةِ، ما سلكنا شِعبًا ولا واديًا إلا وهم معنا؛ حَبسهُمُ العذرُ". [رواه البخاري، وأبو داود، ولفظه] : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لقد تركتُم بالمدينةِ أقوامًا ما سِرتُم مَسيرًا، ولا أنفقتُم مِن نفقةٍ، ولا قطعتُم مِن وادٍ إلا وهم معكم". قالوا: يا رسول الله! وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال:"حَبَسَهُمُ المرضُ". [صحيح الترغيب والترهيب]