الصفحة 2 من 103

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أتاكم رمضانُ شهرٌ مباركٌ فرضَ اللهُ عزَّ وجلَّ عليكم صيامَه، تُفتَحُ فيه أبوابُ السماءِ، وتُغلَقُ فيه أبوابُ الجحيمِ، وتُغلُّ فيه مَرَدَةُ الشياطينِ، للهِ فيه ليلةٌ خيرٌ مِن ألفِ شهرٍ، مَن حُرِمَ خيرَها فقد حُرِمَ". [رواه النسائي والبيهقي، وصححه الألباني]

وقد جعل الله عز وجل لبعض الشهور فضلًا على بعض، كما قال تعالى: (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) [التوبة:36] وقال تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) [البقرة:197] ، وقال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ) [البقرة/185] ، كما جعل بعض الأيام والليالي أفضل من بعض، وجعل ليلة القدر خيرًا من ألف شهر، وأقسم بالعشر وهي عشر ذي الحجة على الصحيح ..

وما في هذه المواسم الفاضلة موسمٌ إلا ولله تعالى فيه وظيفة من وظائف طاعته، يُتقرَّب بها إليه، ولله فيه لطيفة من لطائف نفحاته، يصيب بها مَن يعود بفضله ورحمته عليه، فالسعيد مَن اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات؛ فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات، وقد خرج ابن أبي الدنيا والطبراني وغيرهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا:"اطلبوا الخيرَ دهرَكم كلَّه، وتعرضوا لنفحاتِ ربِّكم فإنَّ للهِ نفحاتٍ من رحمتِه يُصيبُ بها مَن يشاءُ مِن عبادِه، وسلوا اللهَ أنْ يسترَ عوراتِكم ويُؤمِّنَ روعاتِكم". [ضعفه الألباني]

وفي الطبراني من حديث محمد بن مسلمة مرفوعًا:"إن للهِ في أيامِ الدهرِ نفحاتٍ فتعرضوا لها، فلعلَّ أحدَكم أنْ تُصيبَه نفحةٌ فلا يَشقى بعدَها أبدًا".

وإنه لمن فضل الله ودلائل توفيقه أنْ يُلهَم المرء استغلال كل ساعة في هذه الأيام المباركات فيما يحبه الله ويرضاه .. ففي مسند الإمام أحمد عن عقبة بن عامر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ليس من عملِ يومٍ إلا يُختمُ عليه". [صححه الألباني]

قال الحسن البصري: ما مِن يوم ينشق فجره إلا نادى منادٍ: يا ابن آدم! أنا خَلْقٌ جديد، وعلى عملك شديد، فتزوَّدْ مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.

وقال سعيد بن جبير: كل يوم يعيشه المؤمن غنيمة.

وكتب بعض السلف إلى أخ له: ياأخي! يُخيل لك أنك مقيم؛ بل أنت دائب السير، تُساق مع ذلك سوقًا حثيثًا .. الموت متوجه إليك، والدنيا تُطوَى مِن ورائك، ومامضى من عمرك فليس بعائد عليك إلى يوم التغابن.

فإنّ رأس مالنا الأوقات واللحظات، وكل نَفَس مِن أنفاس العمر جوهرة نفيسة نستطيع أنْ نشتري بها كنزًا لا يفنى أبد الآباد، وتضييعه وخسارته، أو اشتراء صاحبه به ما يجلب هلاكه لا يسمح به إلا أقل الناس عقلًا، وأكثرهم حمقًا.

قال ابن عطاء الله السكندري: رُبَّ عُمر اتسعت آمادُه، وقلَّت أمدادُه. ورُبَّ عُمر قليلة آمادُه، كثيرة أمدادُه ..

[أي: رُبَّ عمر لشخص اتسعت آماده؛ أي اتسع زمنه حتى طال، وقلت أمداده أي فوائده؛ بأن كان الشخص من الغافلين.

ورُبَّ عمر لشخص آخر قليلة آماده، كثيرة أمداده؛ بأن كان من الذاكرين. كما وضح ذلك بقوله: مَن بورك له في عمره؛ أدرك في يسير مِن الزمن مِن منن الله تعالى ما

لا يدخل تحت دوائر العبارة، ولا تلحقه الإشارة.

يعني أن مَن بورك له في عمره؛ بأنْ رُزِق مِن الفطنة واليقظة ما يحمله على اغتنام الأوقات، وانتهاز فرصة الإمكان؛ خشية الفوات؛ فبادر إلى الأعمال القلبية والبدنية، واستفرغ في ذلك مجهوده بالكلية .. أدرك في يسير من الزمن مِن المنن الإلهية، والمعارف الربانية ما لا يدخل تحت دوائر العبارة؛ لقصورها عن الإحاطة به .. ولا تلحقه الإشارة إليه؛ لعلوه في مقامه ومنصبه .. فيرتفع له في كل ليلة من لياليه من الأعمال الصالحة ما لا يرتفع لغيره في ألف شهر؛ فتكون لياليه كلها بمنزلة ليلة القدر.

فالعبرة بالبركة بالعمر لا بطوله. وعلى هذا يحمل حديث:"لا يَزيدُ في العُمُرِ إلا البِرُّ"، فإن المراد البركة فيه؛ بحيث يفعل فيه من الخيرات ما لا يفعله غيره في الأزمنة الطويلة الخالية من البركات .. ] [شرح الحكم العطائية]

عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه كان يقول: إنكم في ممر الليل والنهار في آجال منقوصة وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة .. فمَن زرع خيرًا فيوشك أن يحصد رغبة .. ومَن زرع شرًّا فيوشك أن يحصد ندامة .. ولكل زارع ما زرع.

كان الحسن البصري يشيع جنازة، فأخذ بيد رفيقه قائلا: ماذا يفعل هذا الميت إذا عاد إلى الحياة؟! فقال: يكون أفضل مما كان قبل الموت. فقال الحسن: فإنْ لم يكن هو فكن أنتَ ..

فيا عباد الله ..

هذه أوقات معظمة، وساعات مكرمة، فبيضوا بالتوبة الصحف المظلمة .. اجتهدوا في محو ذنوبكم، واستغيثوا إلى مولاكم من عيوبكم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت