الصفحة 7 من 13

فهذا السبات - أي: الانقطاع عن الإدراك والنشاط بالنوم - ضرورةٌ من ضرورات تكوين الحي، وسرٌّ من أسرار القدرة الخالقة، نعمة من نِعَمِ الله، لا يملك إعطاءها إلا هو.

وتوجيه النظر إليها على هذا النحو القرآني ينبِّه القلبَ إلى خصائص ذاته، وإلى اليد التي أودعتها كيانه، ويلمسه لمسة تُثير التأملَ والتدبُّر والتأثر.

وكان من تدبير الله كذلك أنْ جعل حركة الكون موافقةً لحركة الأحياء، وكما أودع الإنسان سر النوم والسبات، بعد العمل والنشاط، فكذلك أودع الكون ظاهرةَ الليل؛ ليكون لباسًا ساترًا يتم فيه السبات والانزواء، وظاهرةَ النهار؛ ليكون معاشًا تتم فيه الحركة والنشاط، بهذا توافق خلق الله وتناسق، وكان هذا العالم بيئة مناسبة للأحياء، تلبي ما ركّب فيهم من خصائص، وكان الأحياء مزودين بالتركيب المتفق في حركته وحاجاته مع ما هو مودع في الكون من خصائص وموافقات، وخرج هذا وهذا من يد القدرة المبدعة، متسقًا أدق اتِّساق. [1]

عجائب الليل والنهار وما فيهما من الأسرار

ومن آياته - سبحانه وتعالى - الليل والنهار، وهما من أعجبِ آياته، وبدائعِ مصنوعاته؛ ولهذا يعيد ذكرهما في القرآن ويبديه، كقوله - تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ} [فصلت: 37] ، وقوله: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} [الفرقان: 47] ، وقوله - عز وجل: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} [غافر: 61] ، وهذا كثير في القرآن.

(1) "في ظلال القرآن"، لسيد قطب، 8/ 430.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت