الصفحة 6 من 13

وكان من تدبير الله للبشر أنْ جعل النوم سباتًا، يدركهم فيقطعهم عن الإدراك والنشاط، ويجعلهم في حالةٍ لا هي موت، ولا هي حياة، تتكفل بإراحة أجسادهم وأعصابهم، وتعويضها عن الجهد الذي بذلتْه في حالة الصحو والإجهاد والانشغال بأمور الحياة، وكلُّ هذا يتم بطريقة عجيبة لا يدرك الإنسان كنهها، ولا نصيب لإرادته فيها، ولا يمكن أن يعرف كيف تتم في كيانه؛ فهو في حالة الصحو لا يعرف كيف يكون، وهو في حالة النوم لا يدرك هذه الحالة، ولا يقدر على ملاحظتها، وهي سر من أسرار تكوين الحي، لا يعلمه إلا مَن خَلَقَ هذا الحيَّ، وأودعه ذلك السرَّ، وجعل حياته متوقفةً عليه، فما من حيٍّ يطيق أن يظل من غير نوم إلا فترة محدودة، فإذا أجبر إجبارًا بوسائلَ خارجةٍ عن ذاته كي يظل مستيقظًا، فإنه يَهلِكُ قطعًا.

وفي النوم أسرارٌ غير تلبية حاجة الجسد والأعصاب، إنه هدنة الروح من صراع الحياة العنيف، هدنة تلم بالفرد فيلقي سلاحه وجُنَّتَه - طائعًا أو غير طائع - ويستسلم لفترة من السلام الآمن، السلام الذي يحتاجه الفردُ حاجتَه إلى الطعام والشراب، ويقع ما يشبه المعجزات في بعض الحالات، حيث يلم النعاس بالأجفان، والروحُ مثقل، والأعصابُ مكدودة، والنفسُ منزعجة، والقلبُ مروع، وكأنما هذا النعاس - وأحيانًا لا يزيد على لحظات - انقلابٌ تام في كيان هذا الفرد، وتجديد كامل لا لقواه؛ بل له هو ذاته، وكأنما هو كائن حي يصحو من جديد، ولقد وقعت هذه المعجزة بشكل واضح للمسلمين المجهودين في غزوة بدر وفي غزوة أُحد، وامتنَّ الله عليهم بها وهو يقول: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ} [الأنفال: 11] ، { ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ} [آل عمران: 154] ، كما وقعت للكثيرين في حالات مشابهة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت