الأشياء من حولها باهتة, والغروب كئيب , تتجرع آلامها بخشوع, القهوة بلا طعم, وأنت على سفر بين الخريف والشتاء, ترفل الأماسي في ثوب حداد طويل, تعيش الغربة, باتت لقاءاتنا كحبات رمل شتّتتها ريح الخريف, تجتاحها حيرة من شوق وجمر, وحدها عرفت ماذا يعني الصمت, وحيدة على شرفة الليل, تراقب انفلات القمر من خلف غيوم الخريف , تنتظر صباحات بلون الرماد, أنت هناك: كيف تطيب لك الأغاني ؟ بقايا جمر في المدفأة, تساءلت: كيف لا يَتعِب الموج البحر... ولا يؤذي الجمر المدفأة؟ وأنت لا يتعبك الرحيل؟ مضيت بعيدًا, استطابت الليالي أحزانها, وألفت النوارس وحدتها , والريح الخريفية تتوالى, والذاكرة لا تهدأ أنت من أنكر ذاكرته وطوته الأيام , وجعلتني أراقب السفن التي تقف في المرفأ, لأجل بحار يأتي من ذاكرة, أو تقذفه ريح الخريف على رصيف الميناء , يتوغل الوجع بداخلي , تتأجج جمرات الشوق, يدخل الطيف, تتلقاه الشرفة , يصافحه الغروب, تعرفت عليه النوارس... يحتويه الليل يصير ماضٍ...هكذا ترحل الأشياء؟ تلقيني ككتاب مللت قراءته,وغاب جسدك في جوف الطائرة ... بلا وطن تعيش, اختصرت كل شيء في جوازسفر!! شهقة عذاب , ودمع , تناقلتك الغربة من تعب إلى تعب, وغبت في ليل مدن لا تعرف الراحة, تهرب من شيء , يعيش فيك, السنديان يضرب جذوره بالأرض يمتد عاليًا, تمضي تلفك الغربة, والريح قلعت اسمك من دفاترها, بدلت لغتك ولون عينيك, ولون شعرك, غيرت أحذيتك, وجواربك , وحين تهبط من حولك ليالي الغربة, تشعر بالعزلة, تمدّ إليك السفن العائدة أشرعتها, تأبى أن تعود, تصبح كتابًا تطويك الذاكرة, يبتلعك الليل, كان انتظارًا بطعم السفرجل!
تراقب صباحات الطراقات, خيالات تموج مع الغباش, ثمة منعطفات, تتأرجح الصور بين الصحو والغفوة, تلك الطريق الترابية تعرف وقع خطواته, هو؟ خياله..حذاؤه... حقيبته, لم تشعر بلهفة إليه... تعودت غيابه, انغمس الجمر في صقيع روحها وانطفأت لهفة الشوق , صارت تخبو شجرة الزيتون تحت شرفتها وحشة الليل تسكن عينيها, انتهى الزمن الذي تتحدث عنه ذاكراتها, أغلقت النوافذ المطلة على البحر, أطفأت الأنوار, أشعلت شمعتين من زمن بعيد, مدّت جسدها إلى جانب مدفأة الحطب , وراحت تقلب جمرات الشوق؟..
طرطوس/2002/
أحلام ُ ندى