ومهما يكن أمر هذه الصلات في الجاهلية ، فقد كان العراق ، كما كان الشام ، بعض أهداف حركة الفتوح الإسلامية ، ولذلك لم يكن خالد بن الوليد يفرغ من حروب الردة ، حتى كتب إليه الخليفة أبو بكر ـ وهو في اليمامة ـ أن يمضي إلى العراق ، فيدخلها من أسفلها . وحتى كتب إلى عياض بن غنم ، ليدخلها من أعلاها ، فأيهما سبق إلى الحيرة، فهو أمير على صاحبه ."فإذا اجتمعتما بالحيرة ، وقد فضضتما مسالح (معسكرات ) فارس , وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم ، فليكن أحدكما ردءًا للمسلمين ، ولصاحبه بالحيرة ، وليقتحم الآخر على عدو الله وعدوكم من أهل فارس دراهم ، ومستقر عزمهم .. المدائن .."
كان الهدف إذن . منذ صدور قرار الفتح ، هو دخول أرض فارس، وما"الحيرة"سوى المدخل والمعبر . وكان العرش الساساني هو البغية والمنال ، وكانت المدائن هي المحطة النهائية لهذا الزحف المقدس .
ولو كان تحرير الحيرة ـ عاصمة عرب الضاحية ـ هو الهدف ، لكان على جيوش الفتح أن تتوقف ، بعد أن أزالت عنها سلطان الفرس ، وهي عملية كان قصاراها أن تتم بعد تلك المعارك الأولى ، التي خاضها المسلمون في ذات السلاسل والمذار والولجة وأليس وغيرها ، والتي انتهت بدخول خالد بن الوليد الحيرة . ولكن خالدًا لم يتوقف عن الزحف، وإنما كان عليه أن ينتظر عامًا كاملًا ، انتظارًا لاستكمال العدة ، وتهيئة الجيوش التي تتكافأ مع ضخامة المهمة التي ستوكل إليها ، وهي اقتحام قلب الإمبراطورية الفارسية .
على أن أمر فارس لن يقع على عاتق خالد ، فقد كان عليه أن يمضي إلى الشام ، لقيادة الجيوش الإسلامية في اليرموك ، تنفيذًا لأمر الخليفة أبي بكر الصديق . إنما سيؤول أمر العراق وفارس إلى الصحابي الجليل ، والقائد الملهم ، سعد بن أبي وقاص .