153-حدثنا علي بن الأعرابي ثنا علي بن عمروس (ح) . وحدثنا أبو الفضل العباس بن الفضل الربعي عن بعض مشايخه قال نزل عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب منزلا منصرفه من الشام نحو الحجاز فطلب غلمانه طعاما فلم يجدوا في ذلك المنزل ما يكفيهم لأنه كان مر به زياد ابن أبي سفيان أو عبيد الله بن زياد في جمع عظيم فأتوا على ما فيه فقال عبيد الله لوكيله اذهب في هذه البرية فلعلك أن تجد راعيا أو تجد أخبية فيها لبن أو طعام فمضى القيم ومعه غلمان عبيد الله فدفعوا إلى عجوز في خباء فقالوا: هل عندك من طعام نبتاعه منك ؟ قالت: أما طعام أبيعه فلا ولكن عندي ما بي إليه حاجة لي ولبني . قالوا: وأين بنوك ؟ . قالت: في رعي لهم وهذا أوان أوبتهم . قالوا: فما أعددت لك ولهم ؟ قالت: خبزه وهي تحت ملتها انتظر بها أن يجيئوا . قالوا: إنما هو غير ذلك ؟ . قالت: لا . قالوا: فجودي لنا بنصفهما . قالت: أما النصف فلا أجود به ولكن إن أردتم الكل فشأنكم بها . قالوا: فلم تمنعين النصف وتجودين بالكل ؟ قالت: لأن إعطاء الشطر نقيصة وإعطاء الكل فضيلة فأنا أمنع ما يضعني وأمنح ما يرفعني . فأخذوا الملة ولم تسألهم من هم ؟ ولا من أين جاءوا ؟ فلما أتوا بها عبيد الله وأخبره بقصة العجوز عجب وقال: ارجعوا إليها فاحملوها إلى الساعة فرجعوا وقالوا: انطلقي نحو صاحبنا فإنه يريدك . قالت: ومن هو صاحبكم ؟ أصحبه الله السلامة ! قالوا: عبيد الله بن العباس . قالت: ما أعرف هذا الإسم فمن بعد العباس ؟ قالوا: العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت: هذا وأبيكم الشرف العالي ذروته الرفيع عماده هيه أبو هذا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم"قالوا: نعم . قالت: عم قريب أم عم بعيد ؟ قالوا: عم صنو أبيه وهو عصبته . قالت: ويريد ماذا ؟ . قالوا: يريد مكافأتك وبرك . قالت: علام ؟ . قالوا: على ما كان منك .. قالت أوه لقد أفسد الهاشمي بعض ما أثل له ابن عمه والله لو كان ما فعلت معروفا ما أخذت بدينه فكيف وإنما هو شيء يجب على الخلق أن يشارك بعضهم فيه بعضا .قالوا: فانطلقي فإنه يحب أن يراك . قالت: قد تقدم منكم وعيد ما أجد نفسي تسخو بالحركة معه . قالوا: فأنت بالخيار إن بذل لك شيء بين أخذه وتركه . قالت: لا حاجة لي بشيء من هذا إذا كان هذا أوله ؟ . قالوا: فلا بد من أن تنطلقين إليه . قالت: فإني ما أنهض على كره إلا لواحدة . قالوا: ما هي ؟ . قالت: أرى وجها هو جناح رسول الله صلى الله عليه وسلم وعضوا من أعضائه ثم قامت فحملوها على دابه فلما صارت إليه سلمت عليه فرد عليها السلام وقرب مجلسها وقال لها: ممن أنت ؟ . قالت: أنا من كلب . قال لها: فكيف حالك ؟ قالت: أجد الفائت واستمريه وأهجع أكثر الليل ورأى قرة العين من ولد بار وكنة رضية فلم يبق من الدنيا شيء إلا وقد وجدته وأخذته وإنما أنتظر: أني يأخذني . قال: ما أعجب أمرك كله ؟ . قالت: قفني على أول عجبه ؟ . قال بذلك لنا ما كان في حوايك فرفعت رأسها إلى القيم فقالت: هذا ما قلت لك قال عبيد الله وما قالت لك ؟ . قال: فأخبره فازداد تعجبا وقال: خبرينيي: فما ادخرت لبنيك إذا انصرفوا ؟ . قالت: ما قال حاتم طيء ."
ولقد أبيت على الطوى وأظله حتى أنال به كريم المأكل
فازداد منها عبيد الله تعجبا وقال: أرأيت لو انصرف بنوك وهم جياع ولا شيء عندك ما كنت تصنعين بهم ؟ قالت: ياهذا لقد عظمت هذه الخبزة عندك وفي عينك حتى إن صرت لتكثر فيها مقالكوتشغل بذكرها بالك أله عن هذا وما أشبهه فإنه يفسد النفس ويؤثر في الحس . فازداد تعجبا . ثم قال لغلامه: انطلق إلى فنائها فإذا أقبل بنوها فجيئني بهم .
فقالت العجوز: أما أنهم لا يأتونك إلا بشريطة .
قال: وما هي ؟ .
قالت: لا تذكر لهم ما ذكرته لي فإنهم شباب أحداث . تجرحهم الكلمة ولا آمن بوادرهم إليك وأنت في هذا البيت الرفيع والشرف العالي فإذا نحن من أشر العرب جوار ؟
فازداد عبيد الله تعجبا وقال لها سأفعل ما أمرت به .
فقالت العجوز للغلام انطلق فاقعد بهذا الخباء الذي رأيتني في ظله فإذا أقبل ثلاثة أحدهم دايم الطرف نحو الأرض قليل الحركة كثير السكون فذاك الذي إذا خاصم أفصح وإذا طلب أنجح والآخر دائم النظر كثير الحذر قد كلمت من حسبه وأثرت في نسبه فذاك الذي إذا قال فعل وإذا ظلم قتل والآخر كأنه شعله نار وكأنه يطلب الحلق بثار فذاك والله الموت المائت هو والله والموت قسمان .
فاقرأ عليهم سلامي وقل لهم تقول لكم والدتكم لا يحدثن أحد منكم أمرا حتى تأتوها فانطلق الغلام فلما جاء الفتية أخبرهم فما قعد قائمهم ولا شذ جمعهم حتى تقدموا سراعا فلما دنوا من عبيد اللهورؤا أمهم: سلموا فأدناهم عبيد الله من مجلسه وقال: إني لم أبعث أليكم ولا إلى أمكم لما تكرهون .
قالوا: فما بعد هذا ؟
قال: أحب أن أصلح من أمركم وألم من شعثكم .
قالوا: إن هذا قل ما يكون إلا عن سؤال أو مكافأة لفعل قديم .
قال: ما هو لشيء من ذلك ولكن جاورتكم في هذه الليلة وخطر ببالي أن أضع بعض مالي فيما يحب الله عز وجل .
قالوا: ياهذا إن الذي يحب الله لا يحب لنا إذ كنا في خفض من العيش وكفاف من الرزق فإن كنت هذا أردت فوجهه نحو من يستحق وإن كنت أردت النوال مبتدئا لم يتقدمه سؤال فمعروفك مشكور وبرك مقبول فأمر لهم عبيد الله بعشرة ألف درهم وعشرين ناقة وحول أثقاله إلى البغال والدواب .
وقال: ما ظننت أن في العرب والعجم من يشبه هذه العجوز وهؤلاء الفتيان .
فقالت العجوز لفتيانها: ليقل كل واحد منكم بيتا من الشعر في هذا الشريف ولعلي أن أعينكم:
فقال الكبير:
شهدت عليك بطيب الكلام وطيب الفعال وطيب الخبر
وقال الأوسط:
تبرعت بالجود قبل السؤال فعال كريم عظيم الخطر
وقال الأصغر:
وحق لمن كان ذا فعله بأن يسترق رقاب البشر
وقالت العجوز:
فعمرك الله من ماجد ووقيت سوء الردي والحذر