الصفحة 21 من 47

ولماكانَتِ العبوديَّةُ غايةَ كمالِالإنسان ، وقُرْبُهُ مِنَ اللهِ بحسبنصيبه من عبودِيَّتِهِ ، وكانَتِالصلاةُ جامعةً لمتفَرِّقِالعبوديَّة ، متضمِّنةً لأقسامِها ،كانتْ أفضَلَ أعمال العبْد ،ومَنزِلَتُها من الإسْلامِبِمَنْزِلَةِ عمودِ الفسطاطِ منه ،وكانَ السُّجودُ أفْضَلَ أركانهاالفِعْليَّة ، وسِرَّها الذيشُرِعَتْ لأجْلِهِ ، وكان تكرُّره فيالصَّلاةِ أكثر من تكرُّر سائرالأرْكان ، وجَعَلَهُ خاتِمَةالركْعَةِ وغايتها ، وَشُرِعَفعلُهُ بعد الرُّكوعِ ، فإنَّالرُّكوعَ تَوْطِئَةٌ له ومقدِّمَةٌبين يَدَيْهِ ، وشرعَ فيه منالثَّناء على اللهِ ما يناسِبُه ،وهو قولُ العبد:"سُبْحانَرَبِّيَ الأَعْلَى". فَهَذَا أفْضَل مايُقَالُ فِيهِ ، ومن تَرَكَهُعَمْدًا ، فصلاتُهُ باطِلَةٌ عنْدَكثيرٍ من العُلَماء ، منْهم الإمامأحمد وغيرُهُ ، لأنَّهُ لم يفْعَل ماأُمِرَ به ؛ وكانَ وصفُ الرَّبِّبالعُلُوِّ في هذه الحال في غايَةِالمُناسَبَةِ لحاِل السَّاجِدِ ،الذي قد انحطَّ إلى السّفْل علىوجْهِهِ ، فذكر علوَّ رَبِّهِ فيحالِ سفوله هو ، ونزهه عن مثل هذهالحال ، وأنّ مَنْ هو فوق كلّ شيء ،وعالٍ على كلّ شيء ، ينزّه عن السفولبكل معنى ، بل هو الأعلى بكل معنى منمعاني العلو . وهو كما ذكر عظمته فيحالِ خضوعِهِ في ركوعِهِ ، ونزَّهَربَّهُ عما لا يليقُ به ، مما يضادعظمتَه وعلوّه . ثمّ شرع له أن يرفعرأسه ويعتدل جالسًا ، ولما كان هذاالاعتدال محفوفًا بسجودين ، سجودقبله وسجود بعده ، فينتقل من السجودإليه ثمّ منه إلى السجود الآخركان لهشأن ، فكان رسول الله (يطيله بقدرالسجود يتضرع فيه إلى ربه ، ويستغفرهويسأله رحمته وهدايته ورزقه وعافيته) 13وله ذوق خاص ، وحالللقلب غير ذوق السجود وحاله ، فالعبدفي هذا القعود قد تمثَّلَ جاثيًا بينيدي ربّه ملقيًا نفسه بين يديه ،معتذرًا إليه مما جناه ، راغبًا إليهأن يغفر له ويرحمه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت