ولما كانَ العَبْدُ مفْتَقِرًا فيكلِّ حالٍ إلى هذه الهِدَايَةِ ، فيجميع ما يأتيه ويذرُهُ من أمورٍ ، قدأتاها على غير الهدايةِ ، فهويَحتاجُ إلى التَّوبَةِ منها ؛ وأمورهُدِيَ إلى أصْلِها دون تفصيلها ، أوهُدِيَ إليها من وَجهٍ دون وَجْهٍ ،فهو يحتاجُ إلى إتمامِ الهدايةفِيهَا ليزْداد هُدى ؛ وأمور هويحتاجُ إلى أن يحصل لهُ من الهدايةفيها بالمُسْتَقْبل ، مثل ما حَصَلله في الماضي ؛ وأمور هو خالٍ عناعتقادٍ فيها ، فهو يحتاج إلىالهداية فيها ؛ وأمورلم يفْعلْها ،فهو يحتاج إلى فِعْلِهَا على وجْهِالهِداية ؛ وأمور قد هُدِيَ إلىالإعتقاد الحقّ والعَمَلِ الصوابفيها ، فهو محتاج إلى الثبات عليها ؛إلى غير ذلك من أنواع الهدايات ، فرضَالله سبحانه عليه أن يسألَهُ هذهالهداية في أفْضَلِ أحوالِهِمرَّاتٍ متعدِّدة في اليوم والليلة .
وهذا أجلُّ مطلوبٍ وأعظمُ مسؤولٍ،ولو عَرَفَ الداعي قَدْرَ هذاالسؤال لجعله هجِّيراه 6 ، وقَرنَهبأنفاسه ، فإنّه لم يَدَع شَيئًا منخير الدنيا والآخرة إلا تَضَمَّنَهُ.فنسأل الله أن يَهدِيَنَا الصراطَالمستقيمَ ، وأن يثَبِّتَ قلوبَنَاعلى دينه ...7
ثم بيَّن أن سبيل أهل هذه الهدايةمغايرٌ لسبيل أهل الغضب وأهل الضلال، فانقسم الخلق إذن ثلاثة أقسامبالنسبة إلى هذه الهداية:
مُنْعَمٌ عليه بحصولها واستمرارحظّه من النعم بحسب حظّه من تفاصيلهاوأقسامها .
وضالٌّ لم يعط هذه الهداية ولم يوفقلها .
ومغضوبٌ عليه ، عرفها ولم يوفَّقْللعمل بموجبها .
فالعالم بالحقِّ العامل به: هوالمنْعَمُ عليه . وهو الذي زكَّىنفسَهُ بالعلمِ النافع ، والعملِالصَّالحِ ، وهو المفلح: ( قَدْأَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) [ الشمس: 9 ] .
والعالمُ به المتبع هواه: هو المغضوبعليه ، لضلاله عن العمل .
والجاهل بالحقّ: هو الضال ، لضلالهعن العلم الموجب للعمل .