وقال تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم} (سورة محمد آية 31) .
3 -الافتتان بما لدى الكفار:
وهذا الافتتان يتخذ صورًا عديدة يجمعها ويربط بينها ضعف الشخصية الإيمانية والاقتناع التام بصدق المبدأ.
فمن ذلك الفتنة بما قد يمكّن للشخص من شهوات، ولما حاصر النصارى عكا سنة ست وثمانين وخمسمائة استمرت أمداد الفرنج تقدم عليهم من البحر كل وقت حتى أنَّ النساء ليخرجن بنيّة راحة الغرباء في الغربة؟!، فقدم إليهم مركب فيه ثلاثمائة امرأة حسناء بهذه النيّة، حتى إنّ كثيرًا من فسقة المسلمين تحيّزوا إليهم لأجل هذه النسوة. [1]
وذكر ابن كثير [2] أيضًا قصة مجاهد يدعى: عبده بن عبد الرحيم وأنّه في بعض الغزوات نظر إلى امرأة من نساء الروم فهويها وتنصّر من أجلها فاغتمّ المسلمون بسبب ذلك فلما كان بعد مدة مروا عليه وهو معها فقالوا: يا فلان ما فعل قرآنك؟ فقال: اعلموا أنّي نسيت القرآن كله إلا قوله: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين * ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون} (سورة الحجر آية 2، 3) .
ومنها: الافتتان بما لديهم من إتقان لأعمال الحياة الدنيا، ومهارتهم فيها، مع عجز المسلمين عن ذلك، (فظنوا أن من قدر على تلك الأعمال أنّه على الحق، وأنّ من عجز عنها متخلّف وليس على الحق، وهذا جهل فاحش ... فقد أوضح جل وعلا في قوله تعالى: {يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} (سورة الروم آية 7) .
أن أكثر الناس لا يعلمون ويدخل فيهم أصحاب هذه العلوم الدنيويّة دخولًا أوليًا؛ لأنهم لا يعلمون شيئًا عمن خلقهم .. ورزقهم، ولم يعلموا شيئًا عمن مصيرهم الأخير،
(1) البداية والنهاية (16/ 612) .
(2) البداية والنهاية (14/ 640) .