وَنُقَدِّسُ لَكَ ذلك أنهم قاسوا على القاعدة الأصلية وهي أن الله خلق الخلق ليعبدوه، فهذا هو الأصل، وهذه هي الحكمة الشرعية من خلق الجن والإنس، بل من خلق سائر المخلوقات {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} ، خلق الله الكائنات كلها تسبح له كما قال سبحانه وتعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الجمعة:1] .
وقد أعلم الله سبحانه ملائكتَه أنه سيوجد في الأرض من يفسد فيها ويسفك الدماء فتعجبوا من خلق الله هذا النوع أيضًا مع قدرته على خلق الملائكة -وقد خُلقوا- وعلى خلق أمثالهم.
قال تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} [البقرة: من الآية30] يعلم سبحانه وتعالى وجود الأنبياء، ووجود الأولياء، ووجود المجاهدين، ووجود الصابرين .. يعلم أنه سيوجد من هذا النوع البشري خير الخليقة على الإطلاق {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّة} ِ يجعلهم الله سبحانه وتعالى في مآلهم وحالهم الثاني خيرًا من الملائكة يسلم عليهم الملائكة كما قال: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد:23، 24] أي شرف أعظم من أن يستأذن ملك على المؤمن في قصره ويستفتح الأبواب ليدخل للسلام فيقول الخدام للمؤمن:"ملَك بالباب"يستأذن فيدخل فيسلم على المؤمن ويقول له: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} ؟.
{سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ} فبالصبر نالوا هذا الأجر العظيم, والملائكة ليس في مجتمعهم ولا في طائفتهم من يعصي الله طرفة عين، وليس في إراداتهم إرادة شر أو فساد، ولا تنازعهم أنفسهم إلى المعصية، ولا تميل إلى شهوة، ولا تخاف من فوات