وبالفعل قاتل هؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم - هؤلاء المرتدين وردُّوهم إلى الإسلام, وأشرقت الأرض بنور دين الله - عز وجل - في جزيرة العرب كلها، وقتل الله مسيلمة الكذاب وطلحة، وانفضت الجموع من حول مدعيي النبوة، وهُدمت مرة ثانية في القلوب عبادة الأوثان، ورجع الناس إلى الإسلام, وأدَّى الناس الزكاة، واستقرت دعائم الملة, فانطلق الصحابة وقد عرفوا وجهتهم, قد عرفوا أنهم خُلقوا للجهاد كما كانوا يقولون في حفرهم الخندق:
نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما لقينا أبدًا
صلى الله عليه وآله وسلم، ورضي الله عنهم ما بقينا أبدًا .. يعلمون أنهم خُلقوا ليقاوموا الشر والفساد في الأرض, وليعلنوا كلمة الحق, وليخرجوا العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد كما قال ربعي بن عامر لرستم:"إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".
فمهما ضاقت الأمور توشك أن تتسع, بل ضيقها علامة اتساعها, وطغيان أهل الفساد علامة قرب هلاكهم كما أخبر - عز وجل: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ، قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف:127 - 129] .
وعسى من الله - عز وجل - واجبة, وهي من أنبيائه خبر عنه سبحانه وتعالى: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ} ؛ لأنهم أوذوا {قَالُوا أُوذِينَا} ، نعم فإن إرادة الله في كسر الجبارين الطغاة, وفي جبر المنكسرين المستضعفين سنة ماضية نافذة في خلقه