قائلًا يقول لي: يا بشر بن الحارث رفعتَ اسمَنا عن الطريق وطيَّبته لأطيبنَّ اسمَك في الدُّنيا والآخرة، ثم كان ما كان [1] .
وقد جاء النهي عن سب الكثير من المخلوقات، فكيف بالخالق جلَّ وعلا، مثل نهيه صلى الله عليه وسلم عن سب الريح إذ قال: (لاَ تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ، إِنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الرِّيحِ، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ، وَمِنْ شَرِّ مَا فِيهَا، وَمِنْ شَرِّ مَا أُمِرَتْ أُرْسِلَتَ بِهِ.) [2] .
ونهى صلى الله عليه وسلم عن سب الديك فقال: (لاَ تَسُبُّوا الدِّيكَ فَإِنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلاَةِ) [3] .
وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِى بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَامْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ فَضَجِرَتْ فَلَعَنَتْهَا فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: (خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ) . قَالَ عِمْرَانُ فَكَأَنِّى أَرَاهَا الآنَ تَمْشِى فِى النَّاسِ مَا يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ [4] .
وإذا كان رفع الصوت فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم والجهر له بالقول محبط للعمل، فكيف بسب الدِّين أو الله عز وجل.
قد يتعلَّل الكثير ممن يتفوَّه بذلك بأنَّه يفقد أعصابه ولا يضبط نفسه عند الغضب، ويقال لهؤلاء: لماذا تتحفظون أشدَّ التحفظ وتحتاطون كلَّ الحيطة من التكلُّم على مَنْ أنتم تحت سلطته في الدنيا من ملك أو رئيس وهل قمتم بسب هؤلاء على مرأى ومسمع منهم حتى في حالات الغضب؟ فكيف استطعتم أن تضبطوا أنفسكم في هذه الحالة؟ ولم تستطيعوا ضبطها فيما هو أشد منها؟ أم أنكم تخشون الناس أشد خشية من ربكم؟
إن انعدام التربية أو ضعفها هو سبب رئيسي لهذا الفساد والانحطاط السلوكي، فمن كان في بيئة منحطة دينيًا أو أخلاقيًا ولم يجد من يوجهه التوجيه الصحيح فغالبًا ما يكون سلوكُه سلوكَ مَنْ عاش معهم كما قال القائل:
وَمَا أَنَا إِلا مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ غَوَيْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشَدِ
فالإنسان غالبًا ابن بيئته إلا من رحمه الله وتداركه بلطفه.
ومن أهم الحلول التي أراها للحد من هذه الظاهرة:
(1) ـ رواه أبو نعيم في الحلية 8: 336.
(2) ـ رواه الترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في النهي عن سب الرياح، (2252) وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي في الكبرى (10703) .
(3) ـ رواه أبو داود في كتاب الأدب، باب ما جاء في الديك والبهائم (5103) .
(4) ـ رواه مسلم في كتاب البر والصلة والأدب، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها، (6769) .