فهرس الكتاب

الصفحة 769 من 979

ولا شك -أيضاً- أن قول الصحابة متى تحقق لنا أنه مخالف للنص فإنه لا يجوز لنا اتباعه، بل يجب علينا اتباع ما ترجح لدى الصحابة الآخرين مما يوافق النص، كالقول بسقوط الصلاة عن الجنب إذا لم يجد ماء، وقول بعضهم ببقاء نكاح المتعة على مشروعيته، وتحريم الادخار والكنز للذهب والفضة حتى مع أداء زكاته، ونحو هذا من الأقوال التي ثبت أن الحق والدليل بخلافها لأنه لا معصوم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا اتباع لقول أحد يخالف كلام الله عز وجل، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

وخلاصة القول في ضبط محل النزاع في قول الصحابة قبل تفصيل الكلام في حجيته ما ذكره ابن تيمية مع استصحاب الملاحظة التي أشرت إليها آنفا بخصوص ما انتشر منها وما لم ينتشر، يقول: (وأما أقوال الصحابة فإن انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء. وإن تنازعوا رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول , ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء. وإن قال بعضهم قولا ولم يقل بعضهم بخلافه , ولم ينتشر , فهذا فيه نزاع , وجمهور العلماء يحتجون به كأبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه , والشافعي في أحد قوليه. وفي كتبه الجديدة الاحتجاج بمثل ذلك في غير موضع , ولكن من الناس من يقول هذا هو القول القديم. ) [1]

فقول الصحابي إذا: هو مذهب الصحابي في المسألة الفقهية الاجتهادية، سواء أكان ما نقل عن الصحابي قولا أم فعلا، ولا يدخل في ذلك ما له تعلق بالسنة أوالإجماع.

حجية قول وعمل الصحابي:

يقول ابن رشد بعد أن بين الأصول التي تستند إليها الأحكام وتستنبط عنها (فأما قول الصحابة وشريعة من قبلنا فمختلف فيه) [2]

ثم بين في موضع آخر ما ينتصر له حيث قال: (قول الصحابي يظن به أنه حجة وليس بحجة [3] ، لأن من لم تثبت عصمته لم يجز تقليده) [4] ولكن يبقى السؤال الذي

(1) الفتاوى الكبرى: ج: 5 ص: 79

(2) الضروري: ص: 63

(3) ردد هنا نفس موقف الغزالي وعموم المتكلمين يقول في المستصفى: (الأصل الثاني من الأصول الموهومة: قول الصحابي. وقد ذهب قوم إلى أن مذهب الصحابي حجة مطلقا , وقوم إلى أنه حجة إن خالف القياس , وقوم إلى أن الحجة في قول أبي بكر وعمر خاصة لقوله صلى الله عليه وسلم: {اقتدوا باللذين من بعدي} وقوم إلى أن الحجة في قول الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا. والكل باطل عندنا فإن من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجة في قوله , فكيف يحتج بقولهم مع جواز الخطأ؟ وكيف تدعى عصمتهم من غير حجة متواترة؟ وكيف يتصور عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف؟ وكيف يختلف المعصومان؟ كيف وقد اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما بالاجتهاد , بل أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كل مجتهد أن يتبع اجتهاد نفسه؟ فانتفاء الدليل على العصمة ووقوع الاختلاف بينهم وتصريحهم بجواز مخالفتهم فيه ثلاثة أدلة قاطعة) ص: 128 ونفس هذا الموقف عبر عنه الجويني في"البرهان"حيث قال: (الوجه أن يجعل قولهم كقول من عداهم من المجتهدين) واستثنى (ما قطعوا القول به ولم تكن المسألة في مظنة الاجتهاد فقالوا قولا مخالفا للقياس ما أرشد إليه نظر ولا يدل عليه اعتبار من رحمة أو غيره ورأيناهم حاكمين قاطعين فتحسين الظن بهم يقتضى أن يقال ما نراهم يحكمون بينة ولا مستند لهذا الحكم من قياس فلعلهم لاح لهم مستند سمعى قطعى من نص حديث كان حكمهم بذلك فيجب اتباعهم لهذا المقام) ج: 2 ص: 890 - 891

(4) الضروري: ص: 97

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت