فهرس الكتاب

الصفحة 770 من 979

يطرح نفسه على ابن رشد وغيره، هل هم وعموم الناس ممن جاء بعدهم في منزلة واحدة، أم أن ما يميزهم من العدالة والصحبة ومعايشة تنزل الوحي ومعرفة أسباب النزول وأسباب الورود ومعاينة تطبيقات النبي - صلى الله عليه وسلم - لهدي الدين يجعل لأقوالهم وأرائهم منزلة ما في الشرع ومكانة ما من جهة الفهم والاستنباط؟

وكأن ابن رشد يجيب عن هذا السؤال عندما يقول: (وبالجملة فالصاحب مجتهد من المجتهدين، لكن النفس أميل إلى أقوالهم لما انضافت إليهم من القرائن، وهي التي أوقعت من رأى أقوالهم حجة في ذلك) [1]

ولهذا نجد مذاهب فقهاء الأمصار مليئة بتبني واعتماد آراء الصحابة - رضي الله عنهم -، إما داخلة ضمن جملة من الأدلة التي يسوقها الفقيه أو نجدها وحيدة في استدلاله، وقد ساق ابن رشد نماذج كثيرة، منها قوله على سبيل الإجمال: (نذكر من ذلك المشهور الذي يستند إلى صحابي أو سماع) [2] أو على سبيل التفصيل مثل قوله: (وأما من نهى عن سؤر المرأة الجنب والحائض فقط فلست أعلم له حجة إلا أنه مروي عن بعض السلف أحسبه عن ابن عمر) [3] ويذكر أن الاختلاف في الحجية أحد أسباب الاختلاف الواقع بين الفقهاء مثل قوله: (واختلفوا في قول المؤذن في صلاة الصبح:"الصلاة خير من النوم"هل يقال فيها أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه يقال ذلك فيها وقال آخرون إنه لا يقال لأنه ليس من الأذان المسنون، وبه قال الشافعي. ... وسبب اختلافهم اختلافهم هل قيل ذلك في زمان النبي صلى الله عليه وسلم أو إنما قيل في زمان عمر) [4]

وابن رشد في الجانب النظري يردد رأي عامة المتكلمين والمتأخرين من الأصوليين، والحال أن ما عرف عن أئمة المذاهب وأكثرية السلف هو القول بحجية قول الصحابي لا من جهة القول بالعصمة وإنما من جهة القرائن التي لم يحزها غيرهم.

(1) الضروري: ص: 97 يذهب الشاطبي إلى حد اعتبار بعض ما صدر من الصحابة وخصوصا ما سنه الخلفاء الراشدون من قبيل السنة يقول رحمه الله: (ويطلق أيضا لفظ السنة على ما عمل عليه الصحابة وجد ذلك في الكتاب أو السنة أو لم يوجد لكونه اتباعا لسنة ثبتت عندهم لم تنقل إلينا أو اجتهادا مجتمعا عليه منهم أو من خلفائهم فإن إجماعهم إجماع وعمل خلفائهم راجع أيضا إلى حقيقة الإجماع من جهة حمل الناس عليه حسبما اقتضاه النظر لمصلحي عندهم فيدخل تحت هذا الإطلاق المصالح المرسلة والاستحسان كما فعلوا في حد الخمر وتضمين الصناع وجمع المصحف وحمل الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة وتدوين الدواوين وما أشبه ذلك ويدل على هذا الإطلاق قوله عليه الصلاة والسلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) (الموافقات: ج 4 ص: 4 - 6)

(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 157

(3) بداية المجتهد ج: 1 ص: 23

(4) بداية المجتهد ج: 1 ص: 77

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت