المسألة معارضة القياس للفظ النهي الوارد وذلك أن النهي يقتضي عند الأكثر بصيغته التحريم كما يقتضي الأمر الوجوب.
فمن ذهب إلى الجمع بين السماع والقياس حمل الحديث على الندب أو خصصه في بعض الصور كما فعل مالك ولا خلاف عند القائلين بالقياس أنه يجوز تخصيص عموم السنة بالقياس وكذلك العدول بها عن ظاهرها أعني أن يعدل بلفظ النهي عن مفهوم الحظر إلى مفهوم الكراهية. وأما أهل الظاهر فلما لم يجز عندهم القياس في الشرع اعتمدوا ظاهر الحديث وقالوا بتحريم التفضيل في الهبة) [1]
ومثاله أيضا قوله فيمن لم يرى تغريب الزانية البكر: (ومن خصص المرأة من هذا العموم فإنما خصصه بالقياس لأنه رأى أن المرأة تعرض بالغربة لأكثر من الزنا وهذا من القياس المرسل أعني المصلحي الذي كثيرا ما يقول به مالك) [2]
القياس الضعيف يضعف عن تخصيص العموم:
مثل قوله في اختلاف القائلين بحلية جنين الذبيحة في اشتراطهم نبات الشعر فيه أو لا اشتراطه:(فالسبب فيه معارضة العموم للقياس وذلك أن عموم قوله عليه الصلاة والسلام:"ذكاة الجنين ذكاة أمه"يقتضي أن لا يقع هنالك تفصيل وكونه محلا للذكاة يقتضي أن يشترط فيه الحياة قياسا على الأشياء التي تعمل فيها التذكية والحياة لا توجد فيه إلا إذا نبت شعره وتم خلقه ويعضد هذا القياس أن هذا الشرط مروي عن ابن عمر وعن جماعة من الصحابة.
وروى معمر عن الزهري عند عبد الله بن كعب بن مالك قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه وروى ابن المبارك عن ابن أبي ليلى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر إلا أن ابن أبي ليلى سيء الحفظ عندهم والقياس يقتضي أن تكون ذكاته في ذكاة أمه من قبل أنه جزء منها وإذا كان ذلك كذلك فلا معنى لاشتراط الحياة فيه فيضعف أن يخصص العموم الوارد في ذلك بالقياس الذي تقدم ذكره عن أصحاب مالك) [3]
الخاص لا يقاس عليه:
يفهم من سياق"الضروري"في قوله: (خبر الواحد يعمل به وإن لم يعمل بشهادته لأن اشتراط العدد إذا ثبت العمل به مما يجب على مدعي ذلك إثباته شرعا ولا يصح في مثل هذا حمله على الشهادة قياسا، واستظهار الصحابة رضي الله عنهم بالعدد في واقعتين أو ثلاث فذلك اجتهاد منهم لأحوال خاصة بتلك النوازل
(1) بداية المجتهد ج: 2 ص: 246
(2) بداية المجتهد ج: 2 ص: 327
(3) بداية المجتهد ج: 1 ص: 324