وكلهم متفقون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه عام حج بفسخ الحج في العمرة (والجمهور رأوا ذلك من باب الخصوص لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتجوا بما روي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن الحارث بن بلال بن الحارث المدني عن أبيه قال قلت يا رسول الله أفسخ لنا خاصة أم لمن بعدنا قال لنا خاصة وهذا لم يصح عند أهل الظاهر صحة يعارض بها العمل المتقدم) [1]
وفي فدية الحج رأى الشافعي وأهل الظاهر سقوطها عن الناسي (لعموم قوله تعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم ولعموم قوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) [2]
وفي الجهاد اختلفوا في تحريق الكفار المحاربين بالنار، فكره قوم تحريقهم بالنار ورميهم بها (والسبب في اختلافهم معارضة العموم للخصوص أما العموم فقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ولم يستثن قتلا من قتل، وأما الخصوص فما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في رجل إن قدرتم عليه فاقتلوه ولا تحرقوه بالنار فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار. واتفق عوام الفقهاء على جواز رمي الحصون بالمجانيق سواء كان فيها نساء وذرية أو لم يكن) [3]
وبخصوص الغنيمة (فالجمهور على أن أربعة أخماس الغنيمة للذين غنموها خرجوا بإذن الإمام أو بغير ذلك لعموم قوله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شيء الآية) [4] وكذا قوله: (سبب اختلافهم في قسمة الخمس من الغنيمة وقد تقدم ذلك أعني أن من جعل ذكر الأصناف في الآية تنبيها على المستحقين له قال هو لهذه الأصناف المذكورين ومن فوقهم ومن جعل ذكر الأصناف تعديدا للذين يستوجبون من هذا المال قال لا يتعدى به هؤلاء الأصناف أعني أنه جعله من باب الخصوص لا من باب التنبيه) [5]
واختلفوا في التجار والأجراء هل يسهم لهم أم لا (فقال مالك لا يسهم لهم إلا أن يقاتلوا وقال قوم بل يسهم لهم إذا شهدوا القتال وسبب اختلافهم هو تخصيص عموم قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه. بالقياس الذي يوجب الفرق بين هؤلاء وسائر الغانمين وذلك أن من رأى أن التجار والأجراء حكمهم حكم خلاف سائر المجاهدين لأنهم لم يقصدوا القتال وإنما قصدوا إما التجارة وإما الإجارة استثناهم من ذلك العموم ومن رأى أن العموم أقوى من هذا القياس أجرى العموم على ظاهره.
ومن حجة من استثناهم ما خرجه عبد الرزاق أن عبد الرحمن بن عوف قال لرجل من فقراء المهاجرين أن يخرج معهم فقال نعم فوعده فلما حضر الخروج دعاه فأبى أن يخرج معه واعتذر له بأمر عياله وأهله فأعطاه عبد الرحمن ثلاثة
(1) بداية المجتهد: ج: 1 ص: 244
(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 267
(3) بداية المجتهد: ج: 1 ص: 282
(4) بداية المجتهد ج: 1 ص: 286
(5) بداية المجتهد: ج: 1 ص: 295