فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 979

يقول الكاساني في"بدائع الصنائع"في الرأي المستند إلى الشرع: (غالب الرأي دليل واجب العمل، به بل هو في حق وجوب العمل في الأحكام بمنزلة اليقين. ) [1]

وعقد ابن عبد السلام فصلا في قواعد الأحكام في بيان جلب مصالح الدارين ودرء مفاسدهما على الظنون فقال:(الاعتماد في جلب معظم مصالح الدارين ودرء مفاسدهما على ما يظهر في الظنون. وللدارين مصالح إذا فاتت فسد أمرهما , ومفاسد إذا تحققت هلك أهلهما.

وتحصيل معظم هذه المصالح بتعاطي أسبابها مظنون غير مقطوع به ; فإن عمال الآخرة لا يقطعون بحسن الخاتمة وإنما يعملون بناء على حسن الظنون , وهم مع ذلك يخافون ألا يقبل منهم ما يعملون , وقد جاء التنزيل بذلك في قوله: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} , فكذلك أهل الدنيا إنما يتصرفون بناء على حسن الظنون , وإنما اعتمد عليها، لأن الغالب صدقها عند قيام أسبابها ; فإن التجار يسافرون على ظن أنهم يستعملون بما به يرتفقون , والأكارون يحرثون ويزرعون بناء على أنهم مستغلون , والجمالون والبغالون يتصدرون للكراء لعلهم يستأجرون , والملوك يجندون الأجناد ويحصنون البلاد بناء على أنهم بذلك ينتصرون. وكذلك يأخذ الأجناد الحذر والأسلحة على ظن أنهم يغلبون ويسلمون , والشفعاء يشفعون على ظن أنهم يشفعون.

والعلماء يشتغلون بالعلوم على ظن أنهم ينجحون ويتميزون. وكذلك الناظرون في الأدلة والمجتهدون في تعرف الأحكام , يعتمدون في الأكثر على ظن أنهم يظفرون بما يطلبون , والمرضى يتداوون لعلهم يشفون ويبرءون. ومعظم هذه الظنون صادق موافق غير مخالف ولا كاذب , فلا يجوز تعطيل هذه المصالح الغالبة الوقوع، خوفا من ندور وكذب الظنون , ولا يفعل ذلك إلا الجاهلون. ) [2]

إذا لم يكن من نص أو ظن غالب فالإمساك أولى:

يقول ابن حجر: (وعلى أن المفتي والحاكم إذا لم يعرف الحكم يمسك حتى يتبين له) [3] وينبه إلى عدم التسرع لاحتمال خفاء بعض الأحكام عن غير الراسخين، يقول: (وعلى أن بعض الأحكام ثبت بالوحي وإن لم يكن مما يتلى) [4]

تساهل بعض العلماء في التوابع والشواهد وما فيه مزيد بيان:

يبين القرطبي في مقدمة أحكامه مبررا ضعف بعض مروياته، بأنه من القصص والأخبار ما يعين على فهم الأحكام، يقول: (وأضرب عن كثير من قصص المفسرين وأخبار المؤرخين إلا ما لابد منه ولا غنى عنه للتبيين واعتضت من ذلك تبيين آي الأحكام بمسائل تسفر عن معناها وترشد للطالب إلى مقتضاها) [5]

(1) الكاساني بدائع الصنائع ج 2 ص 105

(2) قواعد الأحكام لابن عبد السلام ج1 ص 4

(3) فتح الباري ج: 3 ص: 395

(4) فتح الباري ج: 3 ص: 395

(5) تفسير القرطبي ج: 1 ص: 3

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت