التأثير العلمي التجريبي والفلسفي:
أشار الأستاذ هيرمان لاي [1] في مقال له بعنوان"ابن رشد وتأثيره الفاصل على تطور العلوم الطبيعية منذ عصر النهضة وحتى كوبرنيك" [2] إلى أن ابن رشد أضاف إلى تآليف ابن سينا في الطب معلومات طبية جديدة (وكان الطلبة في فيينا يعتمدون هذه الكتب في دراساتهم إلى حد القرن الثامن عشر) [3] .
كما أن ابن رشد أجرى (تجاربه الفلكية فبين كروية الأرض، وقدر مرور المريخ أمام الشمس( ... ) إذن فنقطة البداية في هذا التأثير هو ابن رشد ثم كيبلر Cepler ثم كليلي ثم نيوطون والدليل على ذلك أن الكتاب الذي ألفه كوبرنيك سنة 1543 م يذكر ابن رشد في أحد مراجعه) [4] .
كما أن مجموعة من المفكرين اعتنقوا أفكاره في الحرية ومبدأ المساواة (فشرعت الجامعات في فرنسا وايطاليا واسبانيا وانجلترا وألمانيا تعتنق هذا المذهب الواحدة تلو الأخرى( ... ) واتخذت هذه الأفكار أشكالا عامية فانتشرت في سواد الشعب) [5] كما كان للمذهب الرشدي أثر في تقوية الحركة المحاربة للثالوثية وخصوصا بعد ترويج الآلات المطبعية لشروح ابن رشد. وكان من رجال العلم أمثال العالم الكيميائي بويلboyle والفزيائي الرياضي نيوتن كلاهما كان يميل لتيار يسمى الموحدية unitarisme وهو مذهب معارض لعقيدة التثليث عند النصارى [6] .
كما تأثر العالم والفيلسوف الألماني سونير Sonerت 1608م بأفكار ابن رشد إلى حد بعيد وحاول تطبيقها على العلوم الطبيعية في الطب [7] .
وأماعن تأثير ابن رشد في الميدان الفلسفي فإن الظروف التي أحاطت بابن رشد الحفيد في نكبته والجو العام الذي تلا ذلك في بلاد المسلمين، جعل أثره يشع أكثر في بلاد الغرب، فيذكر أنه كان له بعض التلاميذ من النصارى واليهود ذكر منهم رينان [8] بندود اليهودي وغيره من الذين فتنوا به حتى أنهم سموه روح أرسطو وعقله [9] وكان أشدهم شغفا به وعناية موسى بن ميمون الذي صرح في كتابه"موري نبوخيم" (دلالة الحائرين) أنه تلميذ لابن رشد رغم أنه لم يلتق به [10] .
وكذلك لفي بن جرشون ويوسف بن يهودا والذين بواسطتهم تحدرت فلسفة ابن رشد إلى أوروبا المسيحية حيث تأثر بها كل من توما الاكويني وغيره، وتبنتها كثير من المعاهد والجامعات الأوروبية ونشأعن ذلك حركة فلسفية أخرى تسمى"الرشدية"استمد ديكارت واسبينوزا أهم آرائهما حول الدين والفلسفة. وكان أكبر الفلاسفة واللاهوتيين ينسبون أنفسهم إلى ابن رشد، خاصة منهم رواد النهضة الحديثة الذين كانوا يفاخرون بذلك ويتسمون بالرشديين اللاتين.
فأعجبوا بما حوته كتبه من نظريات، ونشأ عندهم ذلك التصور العقلي للكون الذي يدعو إلى توحيد النظرة بين الإيمان والعلم والعقل باعتبار أن صانع الكون واحد وعنه صدر كل ما فيه فهو منزل الوحي وخالق العقل [11] . وإن لم يكن ـ للأسف الشديد ـ هذا التصور الجديد سوى مرحلة انتقالية انتهت إلى نبذ الدين أو على الأقل تهميش أمره في الحياة العامة، وتكريس العلمانية والسير بعيدا نحو حضارة مادية بهت فيها الإيمان بالله.
وقد ادعى إرنست رينان أن (ابن رشد الذي كانت له سلسلة طويلة من التلاميذ لدى اليهود والنصارى مدة أربعة قرون وبرز اسمه مرات في معركة الذهن الإنساني لم تؤسس له مدرسة عند مواطنيه وأنه، وهو أشهر العرب في نظر اللاتين، قد جهل من قبل أبناء دينه تماما) [12] .
واستدرك عليه العقاد بقوله: (فقد رزق ابن شد أنصارا ومعجبين من أصحاب الأديان الثلاثة لم يرزق مثلهم فيلسوف قبله ولا بعده. وهو الذي كان له مصادرون ومضطهدون من أتباع كل دين وخدام كل سلطان. ولو أن المصادرون عملوا قصدا وعمدا على نشر آرائه وشروحه لفاتهم بعض النجاح وأخطأهم بعض التدبير) [13] وذكر من استمرار الاهتمام بابن رشد في العالم الإسلامي: برد الإمام ابن تيمية (661هـ728هـ) الذي ناقش فيه براهين مناهج الأدلة فوافقه في بعضها وعارضه في أخرى.
وقد أفرد الأستاذ عبد المجيد الصغير مقالة بعنوان"مواقف رشدية لتقي الدين ابن تيمية" [14] أشار فيه إلى إمكانية تأثر ابن تيمية بابن رشد وخصوصا في الشعار الذي اتخذه لمنهجه النقدي الذي عنونه بأن"صريح المعقول موافق لصحيح المنقول". وكذلك في حملته على الإضافات والتأويل والجدل الذي سقط فيه المتكلمون، وإغنائه الكبير للنقد الرشدي للأشعرية والتوسع في نقد شخصية الغزالي وكذلك تعميقه لشعار"التوحيد"الذي أصبحت مهمته عنده القضاء على الفرقة وتوحيد الأمة أمام مخاطر الزحف التتري المستمر [15] الأمر الذي يماثل تعميق ابن رشد لشعار"التوحيد"الذي حمله المهدي بن تومرت ومعه الدولة الموحدية في نقد
(1) - أستاذ بجامعة هومبولدت ببرلين بألمانيا
(2) - محاضرات ومناقشات الملتقى العاشر للفكر الإسلامي بعنابة -10 - 19 يونيو1976 - المجلد الأول-ص175 - 186 - منشورات وزارة الشؤون الدينية-الجزائر
(3) - نفسه: ص177
(4) - نفسه: ص177
(5) - نفسه: 178
(6) - نفسه: 180
(7) - نفسه: 185
(8) - رينان (ابن رشد والرشدية) : ص55
(9) - نفسه: 195
(10) - نفسه: 188
(11) - حمادي العبيدي (ابن رشد الحفيد: حياته-علمه-فقهه) الصفحات: 91 - 95 الدار العربية للكتاب ط 1984
(12) - رينان (ابن رشد والرشدية) ص 53
(13) - عباس محمود العقاد (ابن رشد) ص55
(14) - دراسات مغربية في الفلسفة والتراث والفكر العربي الحديث مهداة إلى المفكر المغربي محمد عزبز الحبابي-الصفحات: 93 - 117 - ط: 1985 - دار التنوير للطباعة والنشر-بيروت
(15) - نفس المرجع والصفحات