الفصل الثاني
النظر وأحكامه
سبق في حديثنا عن عورة الرجل والمرأة خارج الصلاة، أن بينا أنه يجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلى غير عورته سواء كان محرمًا لها أو أجنبيًّا وذلك في الحدود التي سبق ذكرها، وبينا أنه يجوز للرجل أن ينظر من المرأة إلى غير عورتها سواء كانت محرمًا له أو أجنبية وذلك في الحدود التي سبق ذكرها.
وخلصنا من البحث إلى أنه لا يجوز النظر من المرأة للرجل ولا من الرجل للمرأة إذا كان بقصد الالتذاذ أو يخشى منه الفتنة لا فارق في ذلك بين ما إذا كان كل من المرأة والرجل أجنبيًّا عن الآخر أم كان كل منهما محرمًا للآخر.
وها هنا سنقيم الدليل على عدم جواز النظر في هذه الحالة.
الدليل على وجوب غض البصر عن المحرمات وكل ما يخشى منه الفتنة:
1 -قوله تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا) [1] .
ومعنى: (يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) أي: يكفونها عن الاسترسال عمَّا لا يحل لهم، وما نهوا عنه [2] .
وغض البصر واجب عن جميع المحرمات، وكل ما يخشى الفتنة من أجله [3] .
وفي الآيتين أمر الله المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار عمَّا لا يحل، فلا يحل للرجال أن ينظر إلى المرأة، ولا يحل للمرأة أن تنظر إلى الرجل؛ لأن علاقتها به كعلاقته بها وقصدها منه كقصده منها [4] .
2 -قوله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والجلوس بالطرقات» فقالوا: يا رسول الله، ما بد لنا من مجالسنا نتحدث فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه» قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: «عض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن النكر» [5] .
3 -قوله صلى الله عليه وسلم: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه» [6] .
4 -قوله صلى الله عليه وسلم لعلي: «يا علي، لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة» [7] .
(1) سورة النور: الآيتان 10 - 31.
(2) الجامع القرآن لابن العربي: ج3، ص377، أيضًا الجامع لأحكام القرآن القرطبي: ج12، ص222.
(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج12، ص223.
(4) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج12، ص227، أيضًا: أحكام القرآن لابن عربي: ج3، ص380.
(5) السنن الكبرى للإمام أبي بكر بن على البيهقي: طبعة 1420/ 1999 المحققة- دار الكتب العلمية- بيروت ج7، ص144 - باب تحريم النظر إلى الأجنبيات من غير سبب مبيح.
(6) السنن الكبرى للبيهقي: ج7، ص143 - باب تحريم النظر إلى الأجنبيات.
(7) السنن الكبرى للبيهقي: ج7، ص145 - باب ما جاء في نظرة الفجاءة.