وكلامه هذا صحيح, فما قيل إنه توهم جرى عن قصد وإرادة لا عن غفلة وغلط, والقول بالتوهم فيه, لفائدة لفظية ومعنوية - كما سيأتى- أما رفض القول بالتوهم بناء على أنه ( انحراف لغوى) فهو ما ليس صحيحًا؛ لأن حقيقة معنى التوهم مردها إلى اللغة , واللغة تقول:"توهمت الشئ وتفرسته وتوسمته, وتبنيته بمعنى واحد" [1] .
ويطلق التوهم أيضا على الغلط [2] والمراد بالغلط هنا الخروج عن الأقيسة, لا الانحراف أو الاعتباط ؛ لأن كل ما يروى عن العرب يحتج به"فعلة القول بالبناء على التوهم هى أنها خرجت عن الأقيسة, وجاءت على غير السنن فاقتضى الأمر إلى إعمال الذهن في التأويل والتعليل" [3] .
ويحسم هذه المسألة قول ابن هشام:"قال سيبويه [4] : واعلم أن ناسًا من العرب يغلطون فيقولون: ( إنهم أجمعين ذاهبون ) و ( إنك وزيد ذاهبان) ومراده بالغلط هنا ما عبر عنه غيره بالتوهم, وتوهم ابن مالك أنه أراد الخطأ فاعترض عليه بأنا متى جوزنا ذلك عليهم زالت الثقة بكلامهم , وامتنع أن تثبت شيئا نادرًا لإمكان أن يقال في كل نادر إن قائله غلط" [5] . وفى كتاب سيبويه ما يقوى هذا الفهم , فقد قال في جمع ( مصيبة) على ( مصائب ) ,"فأما قولهم ( مصائب ) فإنه غلط منهم, وذلك أنهم توهموا أن ( مصيبة ) ( فعيلة ) " [6] وفى الصحاح
(1) ... اللسان , مادة ( وهم ) .
(2) ... انظرمادة ( وهم ) في: العين للخليل, و اللسان , والقاموس , وراجع: شرح درة الغواص للشهاب الخفاجى صـ62, وعقد الخلاص في نقد كلام الخواص لابن الحنبلى صـ175.
(3) ... تحقيق معنى بناء اللغة على التوهم صـ 364 .
(4) ... انظر: الكتاب 2/155.
(5) ... مغنى اللبيب صـ 454.
(6) ... الكتاب 4/356.