وقال ابن كثير رحمه الله"وشملت كلبَهم بركتُهم فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذه صحبة الأخيار، فإنه صار لهذا الكلب ذكرٌ وخبرٌ وشأنٌ". [1]
وقال ابن عطية: وحدثني أبي رضي الله عنه قال سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة: إن من أحبَّ أهل الخير نال من بركتهم؛ كلبٌ أحبَّ أهل فضلٍ وصحبَهم فذكره الله في محكم تنزيله. [2]
"قلت: إذ كان بعض الكلاب قد نال هذه الدرجة العليا بصحبته ومخالطته الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله تعالى بذلك في كتابه جل وعلا فما ظنُّك بالمؤمنين الموحدين المخالطين المحبين للأولياء والصالحين، بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصرين عن درجات الكمال، المحبين للنبي - صلى الله عليه وسلم - وآله خير آل". [3]
وفي الصحيح عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ:"بَيْنَمَا أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَارِجَيْنِ مِنْ الْمَسْجِدِ فَلَقِينَا رَجُلًا عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا أَعْدَدْتَ لَهَا قَالَ فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ، ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، قَالَ أَنَسٌ - رضي الله عنه - فَأَنَا أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِأَعْمَالِهِمْ". [4]
قلت: وهذا الذي تمسك به أنسٌ - رضي الله عنه - يشمل من المسلمين كلَّ ذي نَفَس، فكذلك تعلقت أطماعنا بذلك وإن كنا مقصرين، ورجونا رحمة الرحمن وإن كنا غير مستأهلين؛ كلب أحب قوما فذكره الله معهم فكيف بنا وعندنا عقد الإيمان وكلمة الإسلام، وحب النبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) } [الإسراء: 7] . [5]
* ومن الفوائد المهمة: من قوله تعالى {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ} ... [الكهف: 19] .
(1) - تفسير القرآن العظيم لابن كثير 5/ 140
(2) - المحرر الوجيز لابن عطية 3/ 504
(3) - تفسير القرآن العظيم لابن كثير 5/ 140
(4) - الحديث رواه البخاري في صحيحه كتاب مناقب الصحابة6 - باب: مناقب عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. الحديث رقم: 3485
(5) - يراجع: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10/ 372 وحاشية الجمل على الجلالين 3/ 12، 13، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير 5/ 140