الصفحة 15 من 109

القصص القرآني نهر متدفق بالعطاء والنفحات، وبحرٌ زاخرٌ بالعبر والعظات، وروضٌ حافلٌ بالرياحين والثمرات، نتنسم شذاها، ونقتطف جناها، وكواكب نيرات وبدور ساطعاتٍ، نترسم خطاها، ونقتبس ضياها، وحجج ساطعات وآيات بينات تنطق بصدق هذا الكتاب المبين المنزل من عند رب العالمين، على قلب رسوله الأمين {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70) } يس: 70.

من هذا الروض الباسم والبحر الزاخر هذه القصة العجيبة، قصة أولئك الفتية الذين خرجوا فرارًا بدينهم، معتصمين بربهم فآواهم المبيت إلى كهف أجمعوا أمرهم على البقاء فيه حتى تنجلي الفتنةُ الظلماء، وينقشع البلاء، ولم يخطر ببالهم أن نومهم سيطول ليتجاوز ثلاثة قرون، وهم في رقادٍ عميق، حتى أشرق عليهم فجر جديد، وهبت عليهم نسائمُ الحرية، بعد أن تعاقبت القرون وتداولت العهود وولَّى عهد الطغاة.

المناسبة

المناسبة بين القصة وما قبلها

لما كادت نفسه - صلى الله عليه وسلم - تذهب حسرات وتهلك غما وهما من أحوال قومه الذين جاءهم بالحق المبين، لكنهم في غيهم سادرون وفي ضلالهم يعمهون، جاءت هذه القصة وما تلاها لتنبه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يترفق بنفسه فإنه يؤدي ما عليه من واجب البلاغ وأمانة الرسالة، وليتذكر أن الهداية من الله يختص بها من يشاء ويمنحها من يستحقها، وأولئك الفتية نموذج لمن ملأ الله قلوبهم بالإيمان وهداهم إليه بالفطرة والبرهان.

قال تعالى {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) } . إلى آخر الآيات.

المناسبة بين القصة ومحور السورة وسياقها.

-لما بين الله - عز وجل - أن ما على الأرض من زينة إنما هو للابتلاء والامتحان الذي يبرز معادن الناس ويجلّي عن مقاصدهم وهمتهم نحو العمل الصالح قال تعالى {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) } ، لما بين الله تعالى ذلك: ضرب أمثلة تكشف عن موقف الناس من زينة الدنيا، فبدأ بقصة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت