الصفحة 58 من 77

وبتتبع تفسير ابن جرير الطبري نجد أنه يؤكد على هذا المعنى، فقد قال عند تفسيره لقوله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} سورة العنكبوت29/ 43 قال:"وهذه الأمثال؛ وهي الأشباه والنظائر" [1]

معنى المثل عند الحافظ ابن كثير_ رحمه الله تعالى_:

"يقال مثل ومثيل أيضا والجمع أمثال قال الله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} سورة العنكبوت29/ 43،وتقدير هذا المثل أن الله سبحانه شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى بمن استوقد نارا ..." [2]

وقد أضيفت عند غيرهما من المفسرين معاني أخرى غير معنى الشبه والنظير:"وقد حظي المثل بمعاني تكاد تنحصر في الصفة والشبه والعبرة والوجه، والحجة، والسنة، والمثل، وذات الشيء" [3]

وقد جاءت الآيات بهذه المعاني للأمثال في آيات عديدات:

المثل بمعنى الصفة: قال تعالى ( {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ... } سورة محمد 47/ 15

المثل بمعنى القصة: قال تعالى {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ .. } سورة الكهف 18/ 32

المثل بمعنى العبرة والعظة: قال تعالى {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ} سورة الزخرف،43/ 56

والمثل بمعنى الحال والشأن: قال تعالى {(وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} سورة الروم،30/ 27

المثل على بابه الأصلي: قال تعالى {وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا} سورة الفرقان،25/ 39

توافق أسلوب التربية بضرب المثل مع الفطرة التكوينية للإنسان:

يميل الإنسان في غالب أمره إلى تغليب عقله قبل أن يقر، ويؤمن بما يعرض له، وهو في سبيل ذلك يميل إلى تجسيد التصورات وإحالة الخيال إلى مرئيات مقاربه لما يَعرفه ويُدركه.

وهو منذ الصغير يبدأ عقله في اختزان الصور، والأشكال، ويقوم بربطها بمسميات، ويمكن أن نعبر عنها بالمستودع إن جاز التعبير، ثم هو عند تعرضه لأمر جديد يحاول ربطه بما لديه من معلومات في عقله، وهو عند الربط يقوم بالتجسيد للحدث حتى يقتنع به، فهو يحاول إيجاد شبه بين القديم المختزن في داخله، وبين الجديد، و لذلك قيل" (سمي المثل مثلًا لأنه ماثل بخاطر الإنسان أبدا) " [4]

فالمثل يقوم بتحويل الكلمة المتلاة إلى صورة مجسدة"يمنحها الحياة الشاخصة أو الحركة المتجددة، فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة، وإذا الحالة النفسية لوحة، أو مشهد، وإذا الأنموذج الإنساني شاخص حي، وإذا الطبيعة البشرية مجسمة مرئية" [5]

(1) تفسير ابن جرير الطبري، ج20،ص154

(2) ابن كثير القرشي، تفسير القرآن العظيم، ج1،ص54

(3) ذكره الدكتور محمد الفياض في كتاب الأمثال في القرآن الكريم، ص38، منسوبة للفيروز آبادي من كتاب الذي جمع فيه ما نسب إلى ابن عباس في التفسير.

(4) د. محمد فياض، الأمثال في القرآن الكريم، ص87

(5) سيد قطب، التصوير الفني للقرآن (دار الشروق، ط8،1403هـ/1983م) ص360

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت