الصفحة 39 من 77

التحرر من عبودية غير الله:

يهدف القرآن الكريم في تربيته للنفوس البشرية إلى عتقها من العبوديات المتسلطة على الرقاب البشرية وتحريرها من عبودية غير الله تعالى، ولذلك نجد أن التربية الإيمانية أن تحققت كاملة وكان المعبود الأوحد هو الله جل وعلا ستتحرر النفوس من كثير من أمراضها المستعصية، وتحلق في محيط عبادة الله وحده.

الاتزان والنظر للحياة بالنظرة المعتدلة:

قال تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ .. } سورة يس،36/ 40 ... آيات كثيرة من هذا القبيل تشير إلى أن الاعتدال والتوازن من سنن الله تعالى في الكون، وميز الله هذه الأمة المحمدية بقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ... } الآية، البقرة 1/ 143.

فالنظرة المعتدلة والموازنة بين الأمور من متطلبات النفس السوية والتي تعمل التربية القرآنية على تحققها، قال تعالى تعالا: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} سورة القصص، 28/ 77.

والنظرة المعتدلة تقي الإنسان من مغبة العجلة، كما أنها توطن النفس على النظرة المتأملة للأمور وهو ما يوفر الحكم الصحيح، لأن أصل الضلال اتباع الهوى والظن قال تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} سورة النجم 53/ 23

السعي إلى الكمال في شؤون الدنيا والآخرة.:

المؤمن المطمئن النفس لا يرضى بالدونية، أو القليل من الأشياء بل هو يعلم أن خلقه في هذه الدنيا ليس عبثًا بل هو مخلوق لغاية وهدف، ومطلوب منه اعمار حياته فهو محاسب على وقته وصحته وعمره وعمله، ومن كان هذا فكره يسعى إلى الكمال البشري الممكن له، قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف .. ) [1] قال الإمام الغزالي:"وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملا وإنما يكمل ويقوى بالنشوء والتربية بالغذاء فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال وإنما تكمل بالتربية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم". [2]

السلامة من كثير من الأمراض النفسية:

أغلب الأمراض النفسية منشؤها قلة الإدراك التي تؤرق عقول الحائرين في فهم معاني الحياة، والموت والمصير وسبب الخلق والوجود، وعدم الإدراك هذا يؤدي إلى وجود فجوات نفسية، وثقوب في اتضاح الرؤية، ومن ثَم تنشأ الأمراض النفسية من قلق، وخوف، وعدم استقرار.

وكذلك الأمراض الاجتماعية من حسد أو تباغض وتنافر، لكن المؤمن كامل الإيمان المعتمد و المتوكل على الله، يعلم يقينا أنه لم يخلق عبثا، وأن أن الحياة لا تنتهي عند الموت بل هناك دار تجني فيها الثمار وفيها يكون الخلود الحقيقي، يعلم أن ما أصابه من خير أو شر هو مكتوب عليه من عند الله، يعلم أن كل كلمة أو قول، أو فعل

(1) صحيح الإمام مسلم، (باب في الأمر بالقوة وترك العجز) ،ج4،ص2052

(2) الإمام الغزالي - إحياء علوم الدين ص 2

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت