الصفحة 18 من 20

بالموقف , وهي تعلم شدة حيائه صلى الله عليه وسلم , فتقول: فجبذتها , وقلت لها: تتبعي بها أثر الدم. ومن نماذج حيائه صلى الله عليه وسلم وسكوته عند ذلك ما رواه أبو مسعود الأنصاري قال (: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة , فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله , ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم , وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم , في العالمين إنك حميد مجيد , والسلام كما قد علمتم) ... والسكوت هنا كما يقول الزرقاني: (يحتمل أن يكون حياء وتواضعا , إذ في ذلك الرفعة له , فأحب أن لو قالوا هم ذلك) أو نزل من السماء ما يوضح كيفية الصلاة عليه , لكن لما كان الأمر أمر عبادة وامتثال لما أوحى به الله تعالى في قوله"إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"الأحزاب 56 , كان لزاما أن يبين لهم كيف يقولون , فالسكوت أولا , دافعه الحياء ,الذي قد يؤدي إلى الحرج حتى تمنى الصحابة أنهم لم يسألوه , والتعقيب بالكلام دافعه امتثال أمر الله وتبليغ الرسالة , فاجتمع في الأمر الواحد درسان , درس في الحياء , ودرس في إبلاغ أوامر الله. الخاتمة الحمد لله , والصلاة والسلام على رسول الله , وعلى آله وصحبه ومن والاه , وبعد: فلقد ظهر من خلال هذا البحث أن السكوت رافد مهم من روافد البيان الإنساني عامة , والعربي خاصة , وقد تجلى ذلك في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - حين تراه يسكت في مقام يستدعي منه البيان , فيؤثر الدلالة على مراده بالصمت. ولقد فهم الصحابة من هذا الصمت دلالات , وعبروا عنها بالكلام , مما يعني أنهم ترجموا السكوت إلى ألفاظ , فتراهم يقولون حين يسكت: فعلمنا كذا , أو فهمنا كذا. وفي الوقت الذي ترى فيه السكوت دالا على معانٍ لصيقة به مثل: الحياء والحزن , تراه أيضا دالا على معان هي من خصائص اللفظ , مثل: دلالته على الرفض , أو الانتظار. ولقد أردت من هذا البحث فتح الباب أمام الدارسين للخروج من طوق اللفظ - كوسيلة من وسائل البيان - إلى عوالم أخرى دالة على معان تساعد اللفظ , ولا يمكن أن تكون بديلا عنه , ومحاولة البحث عن بلاغة هذه الوسائل الأخرى , وبيان مقدارها في عالم البيان. وقد ثبت أن السكوت عن البيان بيان - كما قال الإمام عبد القاهر: (فإنك ترى ترك الذكر أفصح من الذكر , والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة , وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق و وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن) , ذلك لأن السياق والأحوال , قد يستدعوا ترك الكلام وتحميل المعاني للسكوت , ليشترك المتلقي والساكت في رسم المراد. كما أن هناك من الدلالات ما يتوارى اللفظ عنها خجلا , أو رفعة , أو حتى عجزا , وساعتها يسمو السكوت ليحمل هذه المعاني إلى المتلقي. وفي الختام , وبعد تحليل كثير من مواضع السكوت في بيان النبي صلى الله عليه وسلم , أستطيع أن أقول إن السكوت له مكانة كبيرة في عالم البيان , فقط يحتاج إلى نفض تراب الإعراض عنه , والالتفات إليه قليلا ليلمع في عالم البلاغة كما هو شأن الألفاظ , فإن فعلنا نكون قد أسدينا للبلاغة يدا تحمد وتشكر , ولو بعد حين , وبخاصة إذا رجعنا في فهم ذلك إلى المعين الطاهر - معين الوحي المعصوم من قرآن وسنة.

والله الموفق , وهو وحده الهادي إلى سواء السبيل , وصلى الله على خير البرية سيدنا محمد وعلى آله وصحبه , أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

د. سعيد جمعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت