الصفحة 17 من 20

البداية لما كان هناك سكوت. فالسكوت في هذا المقام يشير إلى أن قضية النية وما يحيط بها من خيوط لا يمكن لبشر أن يحكم فيها , فالأمر هنا مرده إلى الله تعالى , ولهذا كان الجواب من السماء , ونزلت الآية لتجيب عن السؤال , وقيل: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) الكهف 110 والعجيب أن هذه الإجابة تحتمل قبول صنيع الرجل , وتحتمل أيضا رفضه , وكأنها تقول للرجل , ومن كان على شاكلته إن هذه الأمور لا يبت فيها في الأرض , إنما يبت فيها عند من يعلم السر وأخفى , فالسرائر لا يتولاها بشر , حتى وإن كان رسولا من عند الله , لذا كان أبلغ رد على الرجل هو السكوت. ولقد أفرد الإمام الصنعاني مساحة واسعة لأنواع الرياء , وأقسامه , والمقبول من الأعمال , والمردود , ونسبة الأجر إلى آخر ذلك. وهذا أمر أراه دقيقا , لأنه يتعلق بخبايا الضمائر, ولا يعلم خفاياها إلا الله تعالى , فهو الذي يصلح الأعمال , وهو الذي يتقبلها , وهو وحده الخبير بما يعمل العاملون , وهو وحده الذي يرفع قدر العمل بلحظة إخلاص وتضرع , أو يحبطه بلحظة استكبار ورياء , ولا يسعنا هنا في هذه الدائرة إلا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهو السكوت , فكان أعظم بيان من أفصح الناس.

ومن مواضع دلالة السكوت على عدم العلم ما رواه سيدنا جابربن عبد الله قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من زفر يقال له بستانة اليهودي , فقال له: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف ساجدة له ما أسماؤها؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلم يجبه بشيء , ونزل عليه جبرئيل وأخبره بأسمائها , قال فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه , فقال: هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟ قال: نعم فقال: جربان , والطارق , والذيال , وذو الكتفين , وقابس , ووثاب , وعمودان , والفليق , والمصبح , والضروح , وذو الفرغ , والضياء , والنور , فقال اليهودي: والله إنها لأسماؤها) وتلمح في هذا السكوت كأنه دعاء لله رب العالمين , وما أعظم أن يشعر العبد بحاجته إلى الله تعالى , فيأتيه المدد في اللحظة الحاسمة , لذلك جاء في الحديث بعد أن قيل:"فسكت"قيل:"ونزل عليه جبريل"أليس معنى ذلك أن السكوت هنا دعاء وتضرع إلى الله؟ إن الأمر لا علم لرسول الله به , فما عساه يجيب , والرجل يسأل عن أمر من أمور الغيب؟ ولو أنك استبدلت السكوت , ووضعت بدلا منه مثلًا: لا أعلم , أو: انتظر أخبرك بعد حين , أو أي إجابة أخرى , لم حملت هذه الدلالات التي حملها السكوت. ففي السكوت توكيد على أنه بشر يوحى إليه , فالله وحده الذي يعلم الغيب. وفي السكوت تضرع إلى الله حتى ينزل عليه من العلم ما يجيب به على اليهودي. وفي السكوت تعليم لمن حوله أن من الحكمة السكوت , وأن الإجابة بغير علم لا تنبغي لأحد. وفي السكوت ثم الإجابة بعده دليل واضح على أن الإجابة نزلت من السماء , ولذلك استثمر رسول الله هذا الأمر في دعوة الرجل إلى الإسلام , فقال له: هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟ كل ذلك تراه في السكوت , ولا يقوى عليه اللفظ , ولا يتسع المقام له. دلالة السكوت على الحياء: لكل دين خلق يعرف به , وخلق الإسلام الحياء , وهذا الخلق لا يدل عليه إلا بالسكوت , ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصف بأنه أشد حياء من العذراء في خدرها , وكان يعرف حياؤه من سكوته , وإمساكه عن الكلام , وبخاصة في سياق أمور النساء الخاصة , فلقد كانت المرأة تأتيه تساله عن طهورها من حيضتها , فيقول خذي فرصة من مسك فتطهري بها , تقول: كيف أتطهر؟ - لاحظ هذا - إنها تسال عن الكيفية , وتلك أمور تستدعي ذكر شيء من جسدها , وهي أمور معروفة لكافة النساء , فيقول صلى الله عليه وسلم: سبحان الله: تطهري , و فتقول: كيف؟ يقول سبحان الله تطهري , فتدرك السيدة عائشة مدى الحرج الذي أحاط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت