والغريب أن قصائده تكاد تكون بأكملها في غرض الوصف, فهو يصف الطبيعة بكل ما فيها من متحرك وساكن ولعله من الشعراء القلة الذين يتجهون لغرض معين أو موصوفات بعينها , ولقد أثنى النقاد على وصفه الليل والنجوم, حيث تفوق في هذا الميدان , فمن المعروف أن شكوى الليل وطوله والتوجع لرعي النجوم ,هي ديدن الشعراء, إلا أن ابن طباطبا خالفهم في أنسه بالليل والكواكب , وبكائه عليها وتوجعه لفقدها, كقوله في إحدى القصائد:
يا ليل مالك لا تغيث كوكبا *** زفراتها وجدا عليك تقطع
لو أن لي بضياء صبحك طاقةً *** يا ليل كنت أودّه لا يسطع
حذرا عليك ولقد قدرت بحيلتي *** جرّعته الغصصَ التي تتجرعُ
يا صبح هاك شبيبتي فافتك بها *** ودع الدجى بسواده يتمتع
أفقدتني أنسي بأنجمها التي ... *** أصبحتُ من فقدي لها أتوجّع
ووجد أصحاب كتب المعاني في شعر ابن طباطبا مادةً خصبةً للاستشهاد والاستدلال , فقد استشهد بشعره ابن المعتز في كتابه البديع , والإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابه أسرار البلاغة , والثعالبي في كتابه ثمار القلوب في المضاف والمنسوب , وغير هؤلاء.
وتظهر ثقافة ابن طباطبا ومعرفته العميقة بأساليب العربية من خلال كتاب عيار الشعر , وكتبه الأخرى التي تدور حول الشعر , مثل كتاب: سنام المعاني , والشعر والشعراء , وتهذيب الطبع , وكتاب العروض , والمدخل إلى معرفة المعمى من الشعر , وفرائد الدرر.
ولعل أشهر كتاب له هو: عيار الشعر , ويرى محققاه [1] أنه: من أجل الكتب التي كتبت عن الشعر في ذلك العصر , كما يريان امتيازه عن غيره من الكتب التي على شاكلته , لكون مؤلفه شاعرًا , ولظهور شخصيته , وذوقه في اختيار النصوص , والحكم عليها , والمفاضلة بينها وبين غيرها. [2]
(1) - عباس عبد الساتر , ونعيم زرزور
(2) = مقدمة التحقيق لعيار الشعر لعباس عبد الساتر ونعيم زرزور دار الكتب العلمية بيروت / الطبعة الأولى 1402هـ 1982م وهي الطبعة التي اعتمد عليها البحث