هكذا الرواية , وهما بيتان حسنان , ولو وضع مصراع كل واحد منهما في موضع الآخر كان أشكل وأدخل في استواء النسج فكان يروى:
كأني لم اركب جوادا ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال
ولم أسبأ الزق الروي للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال) [1]
ولعلك تذعن لكلامه وتسلم , وبخاصة بعد أن تُراجع البيتين , فالتلاؤم بعد وضع مصراع كل بيت في موضع الآخر, ولكن البيتين حين عرضا على المتنبي [2] وهو أرسخ قدما في الشعر من ابن طباطبا رأى فيهما رأيا آخر, وقال مالم يقله.
يروي الثعالبي (أن سيف الدولة [3] استنشد أبا الطيب المتنبي قصيدته التي أولها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
وكان معجبا بها, كثير الاستعادة لها ,فاندفع أبو الطيب ينشدها فلما بلغ قوله فيها:
وقفت وما في الموت شكك لواقف *** كأنك في جفن الردى وهونائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم
قال قد انتقدنا عليك هذين البيتين , كما انتُقد على امرئ القيس بيتاه
كأني لم أركب جوادا للذة ... إلخ
وبيتاك لا يلتئم شطراهما, كما ليس يلتئم شطرا هذين البيتين , وكان ينبغي لامرئ القيس أن يقول: (وذكر رواية التعديل كما هي عند بن طباطبا) ولك أن تقول:
وقفت وما في الموت شكك لواقف ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
(1) -- عيار الشعر /129
(2) = المُتَنَبّي
303 -354 هـ / 915 - 965 م
أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي، أبو الطيب. الشاعر الحكيم، وأحد مفاخر الأدب العربي، له الأمثال السائرة والحكم البالغة المعاني المبتكرة. ولد بالكوفة في محلة تسمى كندة وإليها نسبته، ونشأ بالشام، ثم تنقل في البادية يطلب الأدب وعلم العربية وأيام الناس. قال الشعر صبيًا، وتنبأ في بادية السماوة (بين الكوفة والشام) فتبعه كثيرون، وقبل أن يستفحل أمره خرج إليه لؤلؤ أمير حمص ونائب الإخشيد فأسره وسجنه حتى تاب ورجع عن دعواه. وفد على سيف الدولة ابن حمدان صاحب حلب فمدحه وحظي عنده. ومضى إلى مصر فمدح كافور الإخشيدي وطلب منه أن يوليه، فلم يوله كافور، فغضب أبو الطيب وانصرف يهجوه.
قصد العراق وفارس، فمدح عضد الدولة ابن بويه الديلمي في شيراز. عاد يريد بغداد فالكوفة، فعرض له فاتك بن أبي جهل الأسدي في الطريق بجماعة من أصحابه، ومع المتنبي جماعة أيضًا، فاقتتل الفريقان، فقتل أبو الطيب وابنه محسّد وغلامه مفلح بالنعمانية بالقرب من دير العاقول في الجانب الغربي من سواد بغداد.
(3) = سيف الدولة الحمداني303 - 356 هـ / 915 - 967 م علي بن عبد الله بن حمدان التغلبي الربعي، أبو الحسن، سيف الدولة.
الأمير، صاحب المتنبي وممدوحه. يقال: لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع بباب سيف الدولة من شيوخ العلم ونجوم الدهر! ولد في ميافارقين (بديار بكر) ونشأ شجاعًا مهذبًا عالي الهمة. وملك واسطًا وما جاورها. ومال إلى الشام فامتلك دمشق. وعاد إلى حلب فملكها سنة 333هـ، وتوفي فيها. ودفن في ميافارقين.