قولهم لعبد الله وأصحابه: «صنعتم ما لم تؤمروا به» [1] ، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا [2] ، كما ذكر ابن اسحاق في السيرة.
ومن ثم كانت الحقيقة الناصعة أنه عندما نزل الوحى هدأت الأمور، وعاد عبد الله بن جحش وأصحابه مكرمين معززين بين المسلمين بتأييد الوحى لمسلكهم، ولو كان الغاضبون لهم رد فعل على تصرفات النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو حتى على عبد الله وإخوانه، لكان لذلك أثره ولامتد هذا الأثر فترة بعد ذلك ثم ترى هل يعبأ سيدنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - برد فعل أحد أو الدنيا كلها بعد نزول الوحى عليه، لقد قام أمام الكفار وحيدًا يسفه أحلامهم ويسب آلهتهم ويضلل أفهامهم ولم يبال بهم وبما أنزلوه به وبأصحابه، ثم يأتى بعد ذلك ليعمل حسابًا لرد فعل بعض المؤمنين المتقين - لو كان هذا صحيحًا - فيفعل أو يترك لأجلهم!
وعندما أراد وات في النقطة الثانية ليبين لنا السبب الثاني على شبهته البريئة كما نوهنا إليها وهي تردد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقبول الخمس من الغنيمة، فإذا به يعاود عين المسألة، بخشية البعض من عقاب تنزله الآلهة عليهم، هكذا قال، لا أعتقد أن وات يظن أنه صادق فيما يقول، هل يعتقد وات أن سيدنا محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وصحبه يؤمنون بتعدد الآلهة الذى ذكر هو سابقًا أنه جاء ليحطمها، أو ليس هناك إلا رب الأرض والسماء، الها واحدًا لا إله إلا هو، ولا معبود سواه، في دينه الذى يدعو إليه وقاتل عليه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أن وات يضلل ليشيع أن بعض المسلمين مازالوا خاضعين لمنطق الجاهلية، مؤمنين بالكفر، وهذا أعجب العجب في البحث العلمى.
النقطة الثالثة في كلام وات عن أسباب تردد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قبول خمس الغنيمة أولًا،
(1) الطبرى، التاريخ طبعة (2/) .
(2) ابن هشام، السيرة النبوية (2/ 180) .