فلما قتل رضي الله عنه تفرقت القلوب, وعظمت الكروب , وظهرت الأشرار , وذل الأخيار, وسعى في الفتنة من كان عاجزًا عنها , وعجز عن الخير والصلاح من كان يحب إقامته ؛ فبايعوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه , وهو أحق الناس بالخلافة حينئذ , وأفضل من بقي لكن كانت القلوب متفرقة ونار الفتنة متوقدة فلم تتفق الكلمة , ولم تنتظم الجماعة ولم يتمكن الخليفة وخيار الأمة من كل ما يريدونه من الخير , ودخل في الفرقة والفتنة أقوام , وكان ما كان إلى أن ظهرت الحرورية المارقة مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم فقاتلوا أمير المؤمنين عليًا ومن معه ؛ فقتلهم بأمر الله ورسوله طاعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما وصفهم بقوله:يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم ؛ فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة .وقوله: تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق .
أخرجاه في الصحيحين .
فكانت هذه الحرورية هي المارقة , وكان بين المؤمنين فرقة والقتال بين المؤمنين لا يخرجهم من الإيمان كما قال تعالى: { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم}
فبين سبحانه وتعالى أنهم مع الاقتتال وبغي بعضهم على بعض مؤمنون إخوة , وأمر بإصلاح بينهم ؛ فإن بغت إحداهما بعد ذلك قوتلت الباغية ولم يأمر بالاقتتال ابتداء.