إن التحرك للدين وبذل المجهود في الدعوة إلى الله والتمكين لشرع الله وإعلاء كلمته في الأرض يجب أن يكون عنصرا أصيلا في النسيج الإيماني لكل مسلم، فلا يَفْتَأُ يحاسب نفسه في كل زمان: ماذا قدم لدين الله؟ يَتَقَلَّبُ في مَضْجَعِه قَلِقَا، لا يَهْنَأُ بِنَوْمَة، ولا يطِيبُ له وَسَن، ترتاده أخبار المسلمين فيَهْتَمُّ ويَغْتَمُّ، يفكّر في سبل إيصال الحق إلى الخلق فيخافُ أن يقصّر، يقلق من تنامي الكفر والفسق، يَجْزَعُ من قلة الناصرين لدين الله، إنه لا يفكر في جاره فقط أو صديقه كيف يدعوه، إنه يفكر في سكّان الكرة الأرضية كيف يُدخلهم في دين الله أفواجا. يالها من همة لو وجدت لها فؤادا. وأحسب أن مثل هذه النفس لو تَلِفت هَمّا على حال الدين لما كان ذلك كثيرا جَلَلًا.
ومن أعظم مَن نرفعهم قدوة ومثالا في التحرك للتدين جماعة التبليغ العالمية، التي ما فتئت تضرب لنا أروع الأمثلة في الحركة والتضحية وبذل الغالي والرخيص في خدمة الدين.
يقول الشيخ محمد بن إسماعيل في كتابه علو الهمة: (بالرغم من التحفظات على فِكر ومنهج جماعة التبليغ إلا أننا نُقِرُّ بأنها أوْفرُ الجماعات حظا من علو الهمة في الحركة الواسعة الدَّءوب، ولهم في ذلك إنجازات رائعة أثمرت إسلامَ كثير من المشركين وهداية كثير من الفاسقين، وتبليغ دين الله في آفاق المعمورة.
حكى من شَهِدَ مجلسا لهم قال: جلسنا يوما في المسجد للتعارف، فقام شيخٌ وَقور يعرِّف نفسه، وقد جاوز السبعين من عمره: اسمي الحاج وحيد الدين، أعمل في التجارة، وعمري الآن تسع سنوات، فاستغربْنا، وقلنا في دَهْشَة: تسع سنوات؟! قال: نعم، لأنني أعتبر عمري ضائعا .. وكان هذا الرجل إذا وَعَظ قال: لا تضيّعوا أعماركم مثلي، واشتغلوا بالدعوة إلى الله تعالى.
وقد حدث أن سألنا أميرَهم: لماذا تذهبون إلى المقاهي لدعوة الناس. قال: أرأيتم إن كان عندكم مريض ماذا تفعلون له؟ قلنا: إن كان مرضُه ثقيلا نُحضر له الطبيب في المنزل، وأما إذا كان مرضه خفيفا فإنه يذهب بنفسه إلى الطبيب. قال: فكذلك الذين لم يعرفوا طريق المسجد، مرضهم الإيماني ثقيل، فنحن نذهب إليهم.
وسمعت بعض مشايخهم يروي موقفا تعرض له، إذْ خرج للدعوة في حانة خمر في مدينة أوروبية، واسْتَهْدَفَ رجلا مسلما كان يُجالس امرأة وهو يشرب الخمر، فوعظه ونصحه وذكّره بالله، حتى لان قلبه ودمعت عيناه، فأخذ بذراعه ليقوده إلى المسجد، وأخذت المرأة بذراعه الآخر تنازعه فيه