الصفحة 26 من 30

قال المزني: دخلت على الشافعي في علته التي مات فيها، فقلت: كيف أصبحت؟ فقال:"أصبحت من الدنيا راحلًا، ولإخواني مفارقًا، ولكأس المنية شاربًا، ولسوء عملي ملاقيًا، وعلى الله تعالى واردًا، فلا أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنيها أو إلى النار فأعزيها"، ثم بكى وأنشأ يقول:

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي * * * جعلت الرجا مني لعفوك سُلّما

تعاظمني ذنبي فلما قرنته* * * بعفوك ربي كان عفوك أعظما

وما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل* * * تجود وتعفو منة وتكرّما

عسى من له الإحسان يغفر زلتي* * * ويستر أوزاري وما قد تقدما

ويروى أن سكرات الموت جاءت عبد الملك، فأخذ يتجرع كأس الموت، ويذوق الموت، ويشرب الموت، ويأكل الموت، وهو في تلك الساعة التي يذل فيها الجبار، ويذعن فيها المتكبر، ويفتقر فيها الغني، سمع غسالا بجانب قصره في الوادي يغسل ملابسه، وينشد نشيدًا، وما علم هذا الغسال بموت عبد الملك، وما أدراه بموت عبد الملك، فأخذ عبد الملك يقول، وهو يبكي: يا ليتني كنت غسالًا، يا ليتني ما عرفت الخلافة، يا ليتني ما توليت الملك.

احتضر بعض الملوك فجعل يقول: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه.

قال بعضُ الحكماء: كيف يفرحُ بالدنيا من يومُه يَهدِمُ شهرَه، وشهرُه يهدِمُ سنَتَه، وسنته تَهدِمُ عُمُرَه، وكيف يفرح من يقوده عمرُه إلى أجله، وتقودُه حياتُه إلى موته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت