وبحسب التوجيه الذي يوجهون به، وبحسب التبعية، فكل منهم يتبع سيدًا في الشرق أو في الغرب، فلا يجمعهم في الحقيقة إلا هذا.
فمن هنا تجدون تحفظًا من الجميع على تسميتهم المعتزلة بإطلاق، فهم ليسوا بمعتزلة جدد بالمعنى الكامل، لكنهم أقرب ما يكونون إلى ذلك، لأنهم يدعون أو يزعمون أو ينتحلون الانتساب إلى المنهج العقلي، وبعضهم يصرح بهذا وربما سمع به أو سمعه الكثير أن هذا من منهج المعتزلة، وذلك ستار ومنفذ لما بعد ذلك إذ منهج الاعتزال هو في الحقيقة أخف مما يدعون إليه، لكنه أعم من المناهج الأخرى، التي لا يستطيعون التسلل من خلالها، ولا سيما مع هذا الإعجاب الغربي بالمنهج الاعتزالي، لأنه يستقي مصادره من الجاهلية أو الوثنية الإغريقية التي هي منبع الحضارة الغربية نفسها، ومن هنا يريدون عودًا على بدء، فتلقي الحضارة الإغريقية القديمة التي مرت خلال الاعتزال، وخلال الفلسفة التي تسمى إسلامية بالحضارة الغربية المعاصرة، وكأنهما شقان انفصلا في القرون الوسطى، والتقيا الآن بعد أن كانا ملتقيين في المنبع والأصل وهو الحضارة أو الفكر الإغريقي.
أقول: لذلك لا نستطيع التفصيل فيه ولكن يمكن أن نوجز بأن نضع أسسًا عريضة أو قواعد عامة، لهذا الاتجاه ولهذا التيار.
وأول شيء يلفت النظر فيه: هو أنه يهدم العلوم المعيارية الأساسية في الفكر الإسلامي، وفي العلم الإسلامي، بمعنى: أن الجديد فيه: أن المعتزلة على سبيل المثال يتكلمون في أمور الاعتقاد، وفي أمور الغيب، ولكنهم لم يتعرضوا في الجوانب الاجتماعية والأحكام، والجوانب الأخلاقية، وما أشبه ذلك، فكان الأمر محصورًا عندهم بما يسمى الإلهيات وما يتعلق بها.